معراج – القدس المحتلة
57 عامًا مرّت على جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك، لكن النيران لم تنطفئ.. تغيّرت أدواتها، وتوسعت أشكال استهداف المسجد، من الحريق إلى الاقتحامات والطقوس العلنية، والحفريات ومخططات التهويد، وصولًا إلى محاولات فرض واقع جديد على أولى القبلتين.
في الحادي والعشرين من آب/أغسطس عام 1969، أضرم متطرف صهيوني أسترالي النار في المصلى القبلي، لتلتهم ألسنة اللهب أكثر من 1500 متر مربع من المسجد، وتلحق أضرارًا جسيمة بسقفه وأعمدته وأقواسه وزخارفه.
وطالت النيران منبر صلاح الدين الأيوبي، والمحراب، وأجزاء من القبة، وحطمت 48 نافذة من الجبس والزجاج الملون، فيما احترقت مصاحف وسجاد وزخارف وآيات قرآنية.
ولم تتوقف آثار الجريمة عند ذلك اليوم، إذ استغرقت أعمال ترميم المسجد سنوات، بينما تحولت الجريمة إلى محطة مفصلية في مسار استهداف الأقصى.
وبعد 57 عامًا، لم تعد محاولات استهداف المسجد تعتمد على النار وحدها، بل اتخذت أشكالًا أكثر تنظيمًا واتساعًا.
فاقتحامات المستوطنين أصبحت أكثر تكرارًا، والطقوس اليهودية أكثر علنية، بالتزامن مع الحفريات ومخططات التهويد، واستهداف المصلين والمرابطين بالاعتقال والإبعاد، والسعي إلى فرض التقسيم الزماني والمكاني.
وخلال عام 2026، شهد المسجد خطوات جديدة في هذا المسار، مع السماح بإدخال أوراق مخصصة للصلوات، ثم تداول نسخ موسعة من نصوص دينية لاستخدامها خلال الاقتحامات، ومؤخرا إدخال كتب الصلاة اليهودية “السيدور”، في مؤشر على انتقال الطقوس من محاولات محدودة إلى حضور يهودي أكثر تنظيمًا داخل ساحات المسجد.
كما شهد الأقصى أداء طقوس جماعية ورفع علم الاحتلال وترديد نشيده، فيما تتصاعد الضغوط السياسية لتغيير الوضع القائم والسماح لليهود بتأدية الطقوس داخل المسجد خلال ساعات النهار.
ويرى مختصون في شؤون القدس أن ما يجري يمثل انتقالًا من محاولة استهداف مبنى الأقصى إلى استهداف هويته الإسلامية والسيطرة على واقعه، عبر أدوات سياسية وأمنية وقانونية وتهويدية.
وبحسب هذا التقدير، فإن التقسيم الزماني والمكاني لم يعد مجرد فكرة مطروحة، بل يجري الدفع به تدريجيًا على الأرض، بالتوازي مع تقليص دور الأوقاف الإسلامية وفرض وقائع جديدة داخل المسجد.
هكذا، وبعد 57 عامًا على الحريق، تبدلت الوسائل لكن جوهر الخطر واحد؛ من إحراق جزء من الأقصى، إلى محاولة تغيير واقعه وهويته وفرض سيادة جديدة عليه.

