معراج – القدس
في لحظات الاضطراب الكبرى، لا تتحرك الأحداث بعشوائية، بل تُدار بخيوط دقيقة تتقاطع فيها السياسة مع العقيدة، والإعلام مع الميدان، وبينما تنشغل الأنظار بجبهاتٍ مفتوحة وصراعاتٍ متسارعة، يتسلّل المسجد الأقصى إلى قلب المشهد كعنوانٍ حساس، لا يُستحضر صدفة، ولا يُدفع إلى الواجهة دون غاية، هنا لا يبدو ما يجري مجرد تفاعلات طارئة، بل مسار يتشكل بهدوء، تُسبق فيه الوقائع بسرديات جاهزة، وتُمهّد فيه الكلمات لما قد يصبح حدثًا يصعب التراجع عنه.
خُبثٌ يتقدّم على الجرافات
في خضم التصعيد بين الاحتلال وإيران، لم يكن الأقصى خارج الحسابات، بل بدا وكأنه جزءٌ من معادلة تُعاد صياغتها:
أبوابٌ تُغلق بالقوة، ومصلّون يُقصَون، وصوتُ المكان يُخنق تدريجيًا، بينما في المقابل ترتفع نبرة التحريض من أطراف متطرفة، تتعامل مع الحرم وكأنه عبء يجب التخلص منه.
المفارقة ليست في الإجراءات، بل في تزامنها مع خطابٍ يتسع يومًا بعد يوم، يهيّئ الرأي العام لفكرة “الضربة الضرورية”، ويبحث مسبقًا عن متّهمٍ جاهز.
النتيجة التي تُرسم في الخفاء: هدمٌ يتم بأدواتٍ إسرائيلية ورواية تُحمّل المسؤولية لصاروخٍ إيراني، في مشهدٍ يُعيد تشكيل الحقيقة قبل أن تُروى.
أبواق تمهّد… لا تُصرّح فقط
ما يُنشر لم يعد مجرد آراء متطرفة، بل إشارات لا يمكن فصلها عن السياق العام، الحاخام “يوسي مزراحي” لم يكتفِ بالتحريض، بل طرح سيناريو صادمًا: قصف الأقصى بصاروخ، مع توجيه الاتهام إلى إيران.
أما “باروخ مارزل”، فقد اختار أسلوبًا مختلفًا، حين نشر صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر ما وصفه بقاعدة عسكرية أسفل الأقصى، مرفقة بسخرية مبطّنة، لكنها في جوهرها تحمل رسالة أخطر: صناعة مبررٍ بصري يسبق أي استهداف محتمل.
هذه الأصوات، وإن بدت فردية، إلا أنها تتحرك ضمن مناخٍ يسمح لها بالانتشار، بل ويمنحها وظيفة غير معلنة: اختبار ردود الفعل، وتطبيع الفكرة، وتحويل الجريمة المحتملة إلى احتمالٍ قابل للتصديق.
رواية تُبنى تحت الأرض
بعيدًا عن التصريحات، تتجه الأنظار إلى ما يجري في العمق… حرفيًا، حديث البروفيسور الصيني جيانغ تشين عن أعمال حفر سرية تحت الأقصى لا يمكن فصله عن سياقٍ طويل من الأنفاق والتدخلات التي طالت أساسات المكان.
الفكرة ليست جديدة، لكن ما يثير القلق هو ربطها بسيناريو “الهدم المُسيطر عليه”، الذي لا يترك أثرًا مباشرًا للفاعل، بقدر ما يفتح الباب لرواية بديلة جاهزة: صاروخٌ طائش، أو ضربة خارجية، أو “خطأ” في خضم الحرب.
وفي لحظةٍ واحدة، يتحول الحدث من جريمةٍ مدبّرة إلى حادثٍ عابر… وتُغلق الملفات قبل أن تُفتح.

