وسام عفيفة – كاتب ومحلل سياسي
لنتخيل يومًا عاديًا لعائلة في الضفة الغربية.
الأب خرج إلى عمله، فأوقفه حاجز، وقد ينتهي به الأمر معتقلًا للاشتباه. الابن تأخر عن مدرسته لأن بوابة حديدية أغلقت الطريق. والمزارع في القرية المجاورة صار يرى أرضه من بعيد، لكنه لا يستطيع الوصول إليها. وفي المساء يصل خبر جديد: منزل هُدم، أو أرض حُرم أصحابها منها، أو قطعان من المستوطنين هاجمت قرية وأحرقت منزلًا وسرقت مواشي.
وفي شمال الضفة، هناك عشرات الآلاف ممن لم يعد يومهم يبدأ من بيوتهم أصلًا، بعدما أُفرغت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس من سكانها، وبات أهلها نازحين ينتظرون عودة لا يعرفون موعدها.
هذه ليست حوادث منفصلة. لقد تحولت إلى واقع يومي يجري التعايش معه، حتى تكاد الاستثناءات تصبح هي القاعدة.
لهذا تطلق «بتسيلم» على ما يجري في الضفة اسم «مشروع الإزالة»: منظومة تجمع العنف والحواجز والخنق الاقتصادي والاستيطان والتهجير في مسار واحد يستهدف، وفق توصيفها، شروط الحياة الجماعية الفلسطينية نفسها.
الأرقام تشرح الصورة أكثر.
هناك 925 حاجزًا وعائق حركة تقطع أوصال الضفة وتقيّد حركة نحو 3.4 ملايين فلسطيني. وفي سوق العمل قفزت البطالة من 13.1% عام 2022 إلى 31.3% عام 2024. خلف هذه النسبة بيوت فقدت راتبًا، وأسر باتت تعيد حساب ثمن الطعام والدراسة والعلاج.
وعلى الأرض، امتدت السيطرة الفعلية المرتبطة بالبؤر الاستيطانية والرعوية إلى أكثر من مليون دونم، نحو 18% من الضفة، في حين هُجّر 64 تجمعًا فلسطينيًا بالكامل.
لهذا تبدو حجة أن دولة الاحتلال «تنتظر ذريعة فلسطينية» لارتكاب جرائمها وتنفيذ مخططاتها ساقطة أمام ما يجري في الضفة، كما تسقط عند مقارنتها بجرائم الحرب التي ارتُكبت في غزة، والتي جرى في كل مرة تقريبًا تغليفها بذريعة تحمل الفلسطيني المسؤولية.
فالسلطة الفلسطينية أمضت سنوات في التعاون الأمني، وانكمش نفوذها وسيادتها إلى حدود هدف واحد تقريبًا: الحفاظ على بقائها. ومع ذلك، لم تتراجع الحواجز، ولا المستوطنات، ولا السيطرة على الأرض.
والمفارقة واضحة: كلما انكمشت السلطة، اتسع الاحتلال.
المشكلة إذن ليست في الذريعة. المشكلة في مشروع يمضي سواء وُجدت الذريعة أو لم توجد.
أما المشكلة الأخرى، فهي في من يبرئ الاحتلال، ثم يطلب من الضحية أن تشرح لماذا تتعرض للقتل والتهجير.

