عبد الله معروف – أستاذ دراسات بيت المقدس في جامعة 29 مايو في إسطنبول
لا يوجد مثال صارخ أكبر على نوايا الاحتلال الحقيقية تجاه المسجد الأقصى المبارك مما يجري فعلياً أمام أعيننا في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل على بعد 30 كيلومتراً فقط جنوبي الأقصى! ذلك أن مساعي الاحتلال في المسجد الإبراهيمي الآن لإنهاء الوجود الإسلامي تماماً فيه وتحويله إلى كنيس كامل أصبحت واضحةً وضوح الشمس.
إجراءات الاحتلال في المسجد الإبراهيمي وتغيير الوضع القائم
في هذا السياق، تأتي الحملة الأخيرة التي يشنها الاحتلال على المسجد الإبراهيمي لتغيير شكل المسجد تماماً عبر بناء سقفٍ لتغطية باحته السماوية المفتوحة، إضافةً إلى منع الأذان فيه نهائياً أسبوعين كاملين خلال الشهر الماضي وبداية هذا الشهر.
هذا بالطبع بالإضافة إلى القرارات الأخطر التي فرضها الاحتلال على المسجد نهاية العام الماضي وبداية هذا العام، بتغيير الوضع القائم في المسجد الإبراهيمي نهائياً، حيث سحبت صلاحيات الإدارة الدينية وصلاحيات التخطيط والبناء والخدمات المدنية الأساسية من وزارة الأوقاف الفلسطينية ومن بلدية الخليل على التوالي، ونقلت الإدارة الدينية إلى المجلس الديني لمستوطنة كريات أربع، وصلاحيات التخطيط والخدمات إلى الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال.
هذه الإجراءات الخطيرة تذهب بنا إلى أبعادٍ جديدةٍ في قضية المسجد الإبراهيمي تتمثل في مستويين اثنين:
الأول: تحويل المسجد الإبراهيمي إلى كنيس.. تغيير في هوية أحد أهم المقدسات:
فعلى مستوى المواقع المقدسة، فإن هذه الإجراءات تعتبر تغييراً نهائياً في كينونة المسجد الإبراهيمي لتحوله قانونياً وفعلياً إلى كنيسٍ يهودي متكامل، تماماً كما جرى في المساجد التي حولها الاحتلال إلى كنس في المناطق التي احتلت عام 1948م، مثل مسجد اليعقوبي في صفد ومسجد العباسية في يافا، أو مثل مسجد النبي داود في القدس التي يتعامل معها الاحتلال باعتبارها جزءاً من الدولة بعد إعلان ضمها دوناً عن بقية أجزاء الضفة الغربية عام 1967.
لكن الفارق بين جميع تلك المساجد من جهة، والمسجد الإبراهيمي في الخليل من جهةٍ أخرى، يكمن في أهمية المسجد نفسه على مدار التاريخ الإسلامي؛ فهو ثاني أقدس المقدسات الإسلامية في فلسطين بعد المسجد الأقصى المبارك، ولطالما كان الملوك والقادة المسلمون يحرصون على زيارته وإظهار احترامه بعد زيارة المسجد الأقصى مباشرةً، ولك أن تتخيل أننا نشهد تحويل هذا المسجد بكل حجمه وهيبته ومكانته الدينية والتاريخية إلى كنيسٍ.
بل ولنا أن نتخيل حجم وأثر مثل هذا التغيير –لو تم تمريره دون رد فعل– على المقدس الأول والأبرز وهو المسجد الأقصى المبارك.
الثاني: المسجد الإبراهيمي.. ومخططات ضم الضفة الغربية:
أما على المستوى السياسي، فإن كون هذه الإجراءات تجري في مدينة الخليل التي هي جزء من الضفة الغربية، التي لا يعترف أحد في العالم باحتلالها، يعتبر جزءاً تنفيذياً فعلياً لخطة ضم الضفة الغربية التي يسعى وزير المالية المتطرف بتسلائيل سموتريتش لتطبيقها. فجميع المساجد التي خضعت لتغيير من هذا الحجم كانت دائماً تقع في أراضٍ تعتبر قانونياً جزءاً من دولة «إسرائيل» حسب التكييف القانوني لدى أركان دولة الاحتلال.
سواء كان ذلك في مناطق الخط الأخضر التي تعترف كثير من دول العالم أنها أراضي الدولة الرسمية منذ عام 1948، أو حتى شرقي القدس التي تعتبرها دولة الاحتلال جزءاً منها وليست أراضيَ محتلة، وتعترف لها دول قليلة بذلك، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
أما الضفة الغربية، فإنها في العُرف القانوني الدولي، وحتى لدى دولة الاحتلال رسمياً، تعتبر أراضي تحت الاحتلال وليست جزءاً أصيلاً من الدولة، ولذلك فهي تخضع لسلطة جيش الاحتلال الذي لا يعمل داخل حدود الدولة حسب القانون «الإسرائيلي».
ومعنى أن يتم التعامل مع المسجد الإبراهيمي باعتباره كنيساً، وتحويله فعلياً إلى كنيسٍ يهودي، هو أن سلطة القانون «الإسرائيلي» تصل إلى قلب مدينة الخليل، وتعتبر أن هذا المسجد جزء من الدولة، وبالتالي يحق لها تغيير وضعه القانوني من مسجد إلى كنيس، وهو بالضبط ما يجري اليوم.
من الخليل إلى القدس.. هل يستهدف الاحتلال المسجد «الأقصى»؟
المحصلة هنا أننا أمام عمليةٍ فجةٍ لسحب المسجد الإبراهيمي الشريف من بين أيدي أمتنا تماماً وتسليمه للمستوطنين نهائياً، والواجب أن يقف العالم الإسلامي على قدمٍ واحدةٍ وينتفض غضباً لما يجري هناك، فالصمت هناك سيجعل الاحتلال يمد عينيه وأيديه كالأخطبوط ثلاثين كيلومتراً إلى الشمال، حتى يسيطر بالكامل على المسجد الأقصى المبارك بنفس الطريقة، فمن يتمكن من السيطرة الكاملة على المقدس الثاني في تلك الأرض يطمع بالتأكيد بالسيطرة على المقدس الأول، وخاصةً حين يكون مقتنعاً تماماً أنه لا يوجد من يمكنه لجمه عن هذه الجريمة.
هذا الكلام ليس من باب التخمين والتوقع، بل هو ما يصرح به ويعلنه بفجاجةٍ الوزراء وأعضاء الكنيست عن حزب الليكود الحاكم حتى قبل حلفائهم من تيار الصهيونية الدينية.
دعوات «إسرائيلية» لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى
وقد شهدت مدينة القدس قبل أيامٍ مؤتمراً دعت له الهيئة المخترعة المسماة «إدارة جبل المعبد» في القدس تحت عنوان «عقد من التقدم الإيجابي في جبل المعبد بعد 59 عاماً من استعادته»، وحضره جماعة من كبار رجال الدولة بينهم 3 وزراء و7 نواب في الكنيست، أغلبهم من حزب الليكود الحاكم، وطالبوا فيه بوضوحٍ بتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى المبارك، وليس تدريجياً كما يحصل حالياً.
ووصلت الفجاجة بهؤلاء المؤتمرين بأن طالبوا بمنع المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك ما دام المستوطنون لا يتمكنون من الصلاة فيه بحرية مطلقة.
مثل هذه الحوادث تضع أمتنا أمام مسؤوليتها التاريخية الكبرى، فالمسجد الإبراهيمي ينزلق حالياً بسرعة البرق من بين أيدينا، والمسجد الأقصى على وشك الضياع منا، والاحتلال لا يترك فرصةً دون أن يستغلها ليجعل ذلك حقيقةً واقعةً أمام أعيننا دون خوف أو خجل.
لا يمكن وقف هذه الجريمة عند حدها إلا بالردع الشعبي والرسمي الحقيقي للاحتلال، فما لم يشعر الاحتلال بأن ثمن ما يفعله في المسجد الإبراهيمي وفي المسجد الأقصى المبارك أكبر مما يتحمله فإنه سيذهب إلى النهاية، لا لشيءٍ إلا لأنه مسكونٌ الآن بنشوةِ القوة المطلقة ووهمِ العظمة المصطنعة. ولا أخطر على العقلاء في العالَم من مجنون نرجسي مغرور يحمل سلاحاً ويظن أنه لا يُقهَر، لأنه سيذهب إلى أبعدِ مدىً ليثبت عَظَمَتَه المُتَخَيَّلة.. فاللهَ اللهَ في المسجد الإبراهيمي.. واللهَ اللهَ في المسجد الأقصى المبارك أيها الناس.

