أ.د. وصفي عاشور أبو زيد
ليست كل الأخبار سواء؛ فمنها ما يخبر عن واقعة مضت، ومنها ما يكشف عن مسار يتشكل أمام أعيننا وينذر بما هو أخطر، وما يجري في القدس والمسجد الأقصى هذه الأيام من النوع الثاني؛ إذ اجتمع خلال أيام قليلة تحذير صريح من خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري، ومشهد عشرات الآلاف المحتشدين عند ساحة البراق، مع اقتراب موسم متتابع من الأعياد اليهودية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مناسبات لتكثيف الاقتحامات والطقوس ومحاولات فرض وقائع جديدة في المسجد ومحيطه.
وفي مثل هذه اللحظات لا يكفي نقل الخبر، ولا مجرد الغضب له؛ وإنما يجب أن نسأل بمنطق الشرع والمقاصد: ماذا يحدث؟ وإلى أين يراد بالأقصى أن يصل؟ وماذا يجب على أمة تقارب المليارين أن تفعل؟
تحذير من قلب «الأقصى»
في الأول من سبتمبر 2026 حذّر الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى، من أن موسم الأعياد اليهودية المقبل قد يكون من أخطر المواسم على القدس والأقصى، ولم يحصر الخطر في زيادة أعداد المقتحمين، بل نبّه إلى ما هو أعمق: احتمال توسيع أداء الطقوس بصورة علنية، ومحاولة تثبيت وجود دائم للمستوطنين، والمساس بصلاحيات الأوقاف الإسلامية والوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد. كما أكد أن الوقائع لا ينبغي أن تُقرأ حوادث منفصلة، بل أجزاء من مسار متدرج يحوّل كل خرق جديد إلى أمر معتاد، ثم يبني عليه خرقًا أشد منه.
ويكتسب التحذير ثقله من جدول الأسابيع المقبلة نفسه؛ فرأس السنة العبرية يقع في 11–13 سبتمبر، ويوم الغفران في 20–21 سبتمبر، ثم يبدأ عيد العرش في 25 سبتمبر ويمتد إلى مطلع أكتوبر، وهي مواسم تشهد عادة نشاطًا مكثفًا لجماعات ما يسمى «الهيكل» ودعوات إلى توسيع الاقتحامات والطقوس.
ولم يكن هذا أول تحذير للشيخ صبري؛ ففي 23 يوليو 2026 حذّر من أن الخطر يكمن في تحويل الطقوس التلمودية في «الأقصى»، عن طريق تكرارها، إلى أمر اعتيادي، ومن الانتقال من مفهوم «الزيارة» إلى ادعاء حق ديني وسياسي في المكان، وهنا مكمن الخطر الحقيقي: صناعة الاعتياد.
50 ألفًا عند البراق.. والعدد ليس هو القضية وحده
وجاءت الوقائع لتمنح التحذير معنى أكثر إلحاحًا؛ ففي ليلة 27 إلى 28 أغسطس 2026، أفادت تقارير بمشاركة أكثر من خمسين ألفًا في مراسم «السليخوت» عند ساحة البراق المحاذية للمسجد الأقصى، وفي الأيام نفسها ظهرت طقوس وصلوات قرب أسوار الأقصى ومقبرة باب الرحمة شرقي المسجد، مع النفخ في «الشوفار» ودعوات إلى إحياء هذه الطقوس عند الجدار الشرقي.
والدقة هنا واجبة: الحشد المذكور كان في ساحة البراق غربي المسجد الأقصى، وليس اقتحامًا لخمسين ألفًا إلى ساحات المسجد الأقصى نفسها، لكن هذا لا يقلل من دلالة المشهد حين يوضع ضمن السياق الأوسع للطقوس المتصاعدة والاقتحامات ومحاولات تغيير الواقع التاريخي والقانوني لـ«الأقصى».
فالقراءة المقاصدية لا تكتفي بصورة منفردة، وإنما تجمع الجزئيات لتدرك الكلي الذي تصنعه: حشود هنا، وطقوس هناك، واقتحامات تتزايد، وشعائر كانت تؤدى خفية فتصبح علنية، وتصريحات سياسية تمنحها الغطاء، وإجراءات أمنية تضيق على الفلسطينيين، ثم يأتي الزمن ليحوّل الاستثناء إلى عادة، والعادة إلى «حق مكتسب» مزعوم، والحق المزعوم إلى مطالبة بالسيادة والتقسيم.
وهذا هو فقه المآلات الذي قرره علماؤنا: ألا نحكم على الوقائع من لحظتها وحدها، بل ننظر إلى ما تفضي إليه إذا تراكمت واستقرت.
«الأقصى».. قضية مقاصد كبرى
المسجد الأقصى ليس عقارًا متنازعًا عليه، ولا أثرًا تاريخيًّا تحتفظ به الأمة في ذاكرتها، بل مسجد ثبتت حرمته ومكانته بنص القرآن الكريم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) (الإسراء: 1).
ومن هنا تتداخل في حمايته جملة من المقاصد الكبرى: حفظ الدين، وحفظ المقدسات، وحفظ الحقوق، وحفظ الهوية، وحفظ الأرض، وحفظ الذاكرة التاريخية للأمة، وصيانة كرامتها وسيادتها المعنوية.
كما أن القواعد الشرعية لا تبيح للأمة أن تنتظر وقوع الخطر وهي تعلم مقدماته؛ فـالضرر يزال، والوسائل لها أحكام المقاصد، واعتبار المآلات أصل في الاجتهاد، والوقاية من المفسدة قبل تمكنها أولى من محاولة إزالتها بعد استحكامها، ومن ثَمَّ فإن السؤال ليس: ماذا نقول بعد الاقتحام المقبل؟ وإنما: ماذا فعلنا قبل وقوعه؟
وملياران من المسلمين أين هم؟
وهنا يأتي السؤال المؤلم الذي لا يجوز الهروب منه: كيف تصبح بقعة من أقدس بقاع الإسلام معرضة لهذا التغيير المتدرج، بينما ينتسب إلى الإسلام نحو ملياري إنسان، وتوجد عشرات الدول الإسلامية، ومنظمات دولية وإقليمية، وجامعات ومجامع فقهية واتحادات وهيئات علماء ومؤسسات إعلامية واقتصادية وحقوقية هائلة؟
إنه عار حضاري وأخلاقي وسياسي أن تعرف الأمة مواعيد الخطر سلفًا، وترى خطواته تتراكم أمام مرأى ومسع العالمين، ثم تظل استجابتها في معظم الأحيان بيانات استنكار تأتي بعد الحدث، لا تعدو أن تنشر على بوابات لا تقدم ولا تؤخر، مع أهمية البيان والأحكام الشرعية!
وليست العبرة بأن يدخل مليارا مسلم القدس؛ فهذا غير ممكن ولا مطلوب، وإنما بأن تتحول الكتلة البشرية والحضارية والاقتصادية والسياسية الهائلة للأمة إلى قوة حماية وتأثير.
المشكلة إذن ليست قلة العدد، وإنما ضعف تحويل العدد إلى إرادة، والإرادة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى خطط، والخطط إلى أدوات ضغط وأثر.
من عليه الواجب؟
أول المسؤولين الدول والحكومات العربية والإسلامية؛ فحماية الأقصى لا يجوز أن تبقى بندًا إنشائيًّا في البيانات الختامية، المطلوب تحرك دبلوماسي وقانوني وسياسي متواصل، واستخدام ما تملكه الدول من علاقات ومصالح وأوراق ضغط، وتحريك المؤسسات الدولية المعنية، ودعم الوصاية والرعاية الإسلامية للمقدسات، وحماية الوجود المقدسي سياسيًّا واقتصاديًّا وقانونيًّا.
وهنا ينبغي تقرير أمر بالغ الأهمية: إن الدفاع عن المسجد الأقصى وحماية هويته وحرمته لا ينبغي أن يُربطا بموقف هذه الدولة أو تلك من حركة سياسية، أو جماعة إسلامية، أو فصيل مقاوم، ولا أن يصبح الأقصى رهينة للخلافات السياسية والحسابات الإقليمية، فقد تختلف الدول مع الحركات والجماعات، وتتباين مواقفها منها، ولكن الأقصى أوسع من الجميع، وأبقى من الجميع، وهو قضية أمة ومقدَّس من مقدساتها الكبرى، ومن ثم فإن واجب نصرته وحمايته قائم بذاته، مستمد من منزلته في القرآن والسنة، ومن مسؤولية الأمة عن مقدساتها، لا من الموقف من هذا التنظيم أو ذاك، وإن من أخطر صور الخلل أن تحمل الخصومات السياسية بعض الدول أو المؤسسات على الفتور في نصرة الأقصى، أو أن يُختزل الدفاع عنه في جماعة أو فصيل؛ فنصرة الأقصى شرف لا ينبغي أن يتخلف عنه أحد، وخذلانه خسران مبين، والتاريخ لن يسأل الأمة عن خلافاتها حين استُبيح مقدسُها، بل سيسألها: ماذا فعلت لحمايته؟
ثم يأتي واجب العلماء والمجامع الفقهية ودور الإفتاء؛ فعليهم إعادة الأقصى إلى قلب الوعي الشرعي للأمة، وبيان أن نصرته ليست قضية قومية أو سياسية محضة، وإنما قضية دينية تتعلق بمسجد نص القرآن على بركته، والمطلوب ليس خطبة موسمية، ولا بيانًا باهتًا، بل برنامج علمي ودعوي دائم يبين فقه الأقصى، ومقاصد حمايته، وفقه الواجب والاستطاعة، ويقاوم التطبيع النفسي الذي يصنعه تكرار الأخبار.
وفي مقدمة المؤسسات العلمائية والعلمية التي تتجه إليها الأنظار في هذه اللحظة الأزهر الشريف، بما يحمله من مكانة تاريخية ورمزية في ضمير المسلمين، وبما يمتلكه من امتداد علمي ودعوي وتعليمي في أنحاء العالمـ والحق أن لفضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، مواقف في نصرة فلسطين والقدس والأقصى ينبغي أن تُذكر وتُشكر؛ فقد حافظ في سنوات المحنة على خطاب واضح في الانتصار للمظلومين، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ومقدسات الأمة، وقرر أن فلسطين قضية مركزية للعرب والمسلمين، وأن دفاع الأزهر عنها موقف ثابت لا يتغير، وهي مواقف تُسجَّل له وللأزهر بحروف من نور، ولا سيما في زمن اختلطت فيه الحسابات السياسية بالمواقف الأخلاقية، وصار مجرد وضوح الكلمة في بعض المواطن موقفًا له ثمنه.
واليوم ينتظر «الأقصى» من الأزهر خطوة أخرى تليق بمكانته وبمواقفه السابقة؛ أن يقود حالة استنفار علمائي عالمي من أجل المسجد الأقصى قبل موسم الخطر، وأن يدعو علماء الأمة ومجامعها ودور إفتائها إلى موقف جامع، وأن يضع ثقله العلمي والدولي في مخاطبة المؤسسات الدينية الكبرى في العالم، وتنبيهها إلى خطورة المساس بالوضع التاريخي والقانوني للمسجد، وقد نبّه الإمام الأكبر من قبل إلى ضرورة إدخال قضية القدس في المراحل التعليمية حتى تنشأ الأجيال على معرفة تاريخها وحقوقها، وهي رؤية جديرة اليوم بأن تتحول إلى مشروع تربوي ومعرفي أوسع على مستوى العالم الإسلامي.
فالأزهر في قضية «الأقصى» لا يمثل مصر وحدها؛ وإنما يحمل، بحكم تاريخه ومكانته، قدرًا من أمانة الضمير العلمي للأمة، وكلما ارتفع صوته في القدس وجد صداه في شرق العالم الإسلامي وغربه؛ ومن هنا فإن الأمة وهي تثمن مواقف شيخه الجليلة، تتطلع إليه اليوم ليجمع العلماء، ويوقظ الوعي، ويحشد الضمير الديني والإنساني العالمي قبل أن تتحول الخطوات المتدرجة في الأقصى إلى واقع يصعب تغييره.
وعلى منظمة التعاون الإسلامي والمؤسسات العربية والإسلامية والدولية المعنية ألا تكتفي بتوثيق الانتهاكات وإدانتها، بل أن تبني ملفات قانونية وسياسية متراكمة، وأن تعمل على إبقاء قضية الوضع التاريخي والقانوني للأقصى حاضرة في المؤسسات الدولية، وأن تحول كل انتهاك موثق إلى مادة للمساءلة والضغط.
أما المؤسسات الإعلامية والبحثية والحقوقية، فواجبها بالغ الأهمية؛ لأن الصراع على الأقصى صراع على الرواية والوعي بقدر ما هو صراع على المكان، فالمطلوب توثيق دقيق متعدد اللغات، وخرائط زمنية للتغيرات، ومؤشرات ترصد تصاعد الاقتحامات والطقوس والقيود، حتى لا تضيع الصورة الكلية وسط سيل الأخبار اليومية.
وعلى الجماعات والمؤسسات المدنية العاملة للقدس أن تنتقل من الحملات الموسمية إلى العمل المؤسسي المتصل: دعم المقدسيين، والتعليم، والإسكان، والتجار، والأوقاف، والمؤسسات الاجتماعية والقانونية، وكل ما يعزز بقاء الإنسان المقدسي في أرضه؛ لأن حماية الأقصى تبدأ كذلك بحماية الإنسان الذي يحرس محيطه بحياته اليومية وثباته.
وللأفراد نصيبهم من الواجب بحسب الاستطاعة: المعرفة، ونشر الوعي الموثق، ودعم المؤسسات الموثوقة، ومقاومة التطبيع مع الاحتلال، وممارسة الضغط المدني والقانوني المشروع، وعدم السماح للأقصى بأن يتحول إلى خبر بعيد لا يحرك في القلب والعقل شيئًا.
بل إن الأسرة المسلمة لها ثغرها؛ فالأقصى الذي يغيب عن حديث البيوت ومناهج التربية ووعي الأبناء يمكن أن يغيب بعد جيل عن وجدان الأمة، علينا أن نعرّف أبناءنا بتاريخ القدس، ومكانة المسجد، ومعنى الإسراء، وأن نجعل قضية الأقصى جزءًا من تكوينهم الديني والحضاري، لا معلومة تستدعى عند الأزمات.
من فقه رد الفعل إلى فقه الاستباق
لعل أهم درس تفرضه هذه الأسابيع وتلك الأيام الجارية أن الاحتلال والجماعات المتطرفة تعمل بمنطق التراكم؛ ومن العبث أن تواجه الأمة مشروعًا تراكميًّا برد فعل موسمي.
إذا كان الطرف الآخر يحدد المواسم، ويحشد الناس، ويبني الرواية، ويوظف السياسة والأمن والإعلام، فإن حماية الأقصى تحتاج في المقابل إلى استراتيجية أمة تتكامل فيها الدولة والعالم والمؤسسة والإعلام والأسرة والفرد، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: 73).
ليس المطلوب تهورًا ولا شعارات بلا قدرة، وإنما عمل رشيد طويل النفس، يوازن بين الواجب والاستطاعة، ويجمع أدوات السياسة والقانون والإعلام والاقتصاد والتعليم والإغاثة والدبلوماسية والثقافة.
فالشيخ عكرمة صبري أطلق التحذير قبل الموسم، والوقائع المحيطة بالأقصى تؤكد أن التحذير جدير بأن يؤخذ بمنتهى الجدية، وما دام الخطر معروف الزمن والاتجاه، فإن التأخر عن الاستعداد له يصبح تقصيرًا مضاعفًا.
«الأقصى» اليوم لا يحتاج أمةً تحزن عليه بعد كل اعتداء، بقدر ما يحتاج أمةً تمنع الاعتداء قبل وقوعه، وتحاصر مآلاته، وتبني من القوة والوعي والمؤسسات ما يجعل المساس به مكلفًا سياسيًّا وقانونيًّا وأخلاقيًّا.
إن كانوا يعملون لتغيير الواقع خطوة خطوة، فعلينا أن نسبقهم في أن نبني حمايته خطوة خطوة؛ وإن كانوا يحولون الزمن إلى أداة لفرض الأمر الواقع، فعلينا سبقهم في أن نحول الزمن إلى تراكم في الوعي والقوة والصمود.
فـ«الأقصى» أمانة أمة، لا أمانة المقدسيين وحدهم؛ وصدق الله تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40).

