معراج – القدس
لم تعد الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك تقتصر على اقتحامات المستوطنين أو محاولات فرض واقع جديد داخل باحاته، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في السعي العلني لنسف الوضع التاريخي والقانوني القائم، وتحويل مشاريع التهويد من مخططات تُدار في الغرف المغلقة إلى سياسات يعلنها قادة الاحتلال على الملأ.
وفي مقدمة هؤلاء يقف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي بات يتعامل مع المسجد الأقصى باعتباره ساحة مفتوحة لتنفيذ أجندة جماعات الهيكل المتطرفة، متبنياً خطاباً يهدف إلى تكريس الطقوس التلمودية داخل الحرم القدسي، وفرض واقع جديد ينهي الوضع القائم الذي استمر لعقود طويلة.
من المطابخ السرية إلى الخطاب الرسمي
لسنوات طويلة، عملت جماعات الهيكل المتطرفة على الترويج لأفكارها المتعلقة بتغيير هوية المسجد الأقصى وتقسيمه، غير أن هذه المشاريع كانت تُطرح غالباً في الأوساط المتطرفة أو خلف الأبواب المغلقة.
اليوم، تغير المشهد بشكل جذري، إذ بات وزراء في حكومة الاحتلال يتبنون هذه المشاريع بشكل مباشر، ويتحدثون عنها باعتبارها أهدافاً سياسية قابلة للتنفيذ. ويعد بن غفير أبرز من يقود هذا المسار، حيث يواصل الدعوة إلى توسيع الوجود اليهودي داخل المسجد الأقصى، وفرض شعائر وطقوس تلمودية كانت تُمنع سابقاً بموجب الوضع التاريخي والقانوني للمكان.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس انتقال مشروع تهويد الأقصى من مرحلة الطموحات الأيديولوجية إلى مرحلة السعي العملي لفرض وقائع جديدة على الأرض بدعم حكومي غير مسبوق.
الكنيس المزعوم.. الحجارة الأولى لمشروع الهيكل
في موازاة ذلك، تصاعدت الدعوات الصادرة عن جماعات الهيكل لإنشاء كنيس يهودي داخل المسجد الأقصى، في خطوة ينظر إليها الفلسطينيون باعتبارها أخطر محاولة لتغيير هوية الحرم القدسي منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967.
وتعتبر هذه الجماعات أن إقامة الكنيس تمثل مرحلة تمهيدية لمشاريع أكبر تتعلق بإعادة تشكيل المشهد الديني داخل المسجد الأقصى، وصولاً إلى تحقيق رؤيتها المرتبطة بما يسمى “الهيكل”.
ويحذر مختصون في شؤون القدس من أن فرض كنيس داخل الأقصى لن يكون حدثاً معزولاً، بل سيفتح الباب أمام تكريس التقسيم الزماني والمكاني بصورة رسمية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تقليص الوجود الإسلامي داخل الحرم تدريجياً، وصولاً إلى تغيير هويته التاريخية والدينية.
غارات التهويد تنهش جسد الأقصى
التصريحات التي يطلقها بن غفير لا تُفهم باعتبارها مواقف شخصية فقط، بل تُقرأ ضمن مشروع سياسي متكامل يستهدف تقويض المرجعيات القانونية والتاريخية التي تؤكد أن المسجد الأقصى مكان عبادة إسلامي خالص.
وفي هذا السياق، تتواصل حملات التحريض التي يقودها عدد من الحاخامات والشخصيات الدينية المتطرفة، ومن بينهم الحاخام شموئيل إلياهو الذي اعتبر أن إقامة كنيس داخل الأقصى أصبحت أكثر واقعية من أي وقت مضى، واصفاً هذه الخطوة بأنها تمهيد لما يسميه بناء الهيكل.
ويرى مراقبون أن مثل هذه التصريحات تمثل تصعيداً خطيراً، لأنها تمنح الغطاء الديني والسياسي لمخططات تهدف إلى تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وتفتح الباب أمام مزيد من الاستفزازات والاعتداءات بحق المقدسات الإسلامية.
حرب على الهوية والوجود
لا تقتصر المواجهة في المسجد الأقصى على صراع حول مكان أو مبنى، بل تتعلق بصراع على الهوية والرواية والتاريخ. فكل خطوة تهويدية جديدة تستهدف تقويض الوجود الإسلامي والعربي في القدس، وإعادة تشكيل المشهد الديني والثقافي للمدينة بما يخدم المشروع الاستيطاني.
ويؤكد مقدسيون أن ما يجري داخل الأقصى يمثل حرباً مفتوحة على هوية المسجد ومكانته الدينية، محذرين من أن الصمت على هذه المخططات سيمنح الاحتلال مزيداً من الوقت لفرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
تحركات مطلوبة لمواجهة المخططات
في ظل تصاعد الاعتداءات، تتزايد الدعوات إلى ملاحقة الاحتلال قانونياً أمام المحاكم الدولية والهيئات الحقوقية المختصة، باعتبار أن ما يجري في المسجد الأقصى يشكل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي وللوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس المحتلة.
كما تتصاعد المطالب الموجهة إلى الأردن، صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، باتخاذ خطوات أكثر حزماً للدفاع عن المسجد الأقصى ومواجهة محاولات فرض الوقائع الجديدة داخله.
ويبقى المسجد الأقصى اليوم في قلب معركة وجودية مفتوحة، تتجاوز حدود القدس لتطال هوية الأمة بأكملها، في وقت تتسارع فيه مشاريع التهويد بوتيرة غير مسبوقة، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول الأفكار التي كانت تُطرح على هامش المشهد المتطرف إلى حقائق تُفرض بقوة الاحتلال على أرض الواقع.




