معراج – القدس
في تطور غير مسبوق داخل المشهد الديني الإسرائيلي، شهد المسجد الأقصى المبارك خلال الفترة الأخيرة انخراط جماعات حريدية في اقتحاماته، في خطوة تمثل تحولًا لافتًا في أحد أكثر المواقف العقائدية رسوخًا داخل التيار الحريدي. وجاءت هذه المشاركة عبر أتباع الحاخام دوف كوك الذين دخلوا المسجد الأقصى وأدوا طقوسًا تلمودية علنية في ساحاته، بذريعة الدعاء لزعيمهم الروحي.
ولم يمر هذا المشهد مرور الكرام لدى جماعات “الهيكل” المزعوم، التي سارعت إلى الاحتفاء به واعتباره إنجازًا تاريخيًا لمشروعها الهادف إلى تكريس الحضور اليهودي الديني داخل المسجد الأقصى. ورأت تلك الجماعات في مشاركة الحريديم اختراقًا نوعيًا لحاجز عقائدي ظل قائمًا لعقود، بعدما كانت قطاعات واسعة من الحريديم ترفض دخول الأقصى استنادًا إلى فتاوى دينية تعتبر ذلك محرمًا.
وتكمن خطورة الحدث في أنه لا يتعلق بمجرد مشاركة فئة جديدة في الاقتحامات، بل يعكس تحولًا في البنية الفكرية والدينية التي حكمت موقف الحريديم من المسجد الأقصى طوال السنوات الماضية. فما كان يُنظر إليه باعتباره مخالفة دينية جسيمة، أصبح اليوم يُقدَّم لدى بعض الأوساط الحريدية باعتباره سلوكًا مشروعًا، الأمر الذي يمنح جماعات “الهيكل” فرصة لتوسيع دائرة التأييد لمخططاتها داخل الأوساط اليهودية المتدينة.
ويشير هذا التحول إلى نجاح متزايد لجماعات “الهيكل” في إعادة تشكيل الوعي الديني المرتبط بالأقصى، مستفيدة من الدعم السياسي والحكومي الذي وفرته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ومن تنامي نفوذ التيارات الدينية القومية المتطرفة داخل مؤسسات الحكم. فهذه الجماعات لم تعد تكتفي بالمطالبة بحق الاقتحام، بل تسعى إلى فرض الطقوس التلمودية بصورة علنية ومتزايدة داخل المسجد، تمهيدًا لإحداث تغييرات دائمة في واقعه التاريخي والقانوني.
إن انضمام التيار الحريدي إلى مسار الاقتحامات قد يشكل نقطة تحول خطيرة في مستقبل الاعتداءات على المسجد الأقصى، إذ يضيف إلى جماعات “الهيكل” خزانًا بشريًا ودينيًا جديدًا، ويمنح مشاريع التهويد غطاءً أوسع داخل المجتمع الإسرائيلي. كما أنه يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط الرامية إلى تكريس واقع جديد في المسجد، يقوم على توسيع الاقتحامات وتعميق الممارسات التلمودية فيه، وصولًا إلى تحقيق الأهداف التي طالما سعت إليها جماعات “الهيكل” المزعوم.
وبينما تتعامل جماعات “الهيكل” مع هذه المشاركة باعتبارها انتصارًا استراتيجيًا، فإنها في المقابل تكشف عن حجم التحولات التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي تجاه المسجد الأقصى، حيث تتراجع تدريجيًا الحواجز الدينية التي كانت تعيق بعض التيارات اليهودية عن الانخراط في مشروع التهويد، ليصبح ما كان محظورًا بالأمس جزءًا من واقع تسعى تلك الجماعات إلى تعميمه وفرضه بالقوة على الأرض.




