معراج – القدس
رغم أن دائرة الأوقاف الإسلامية تُعدّ الجهة الرسمية المسؤولة عن إدارة المسجد الأقصى المبارك والإشراف على شؤونه، فإن الواقع الميداني يكشف عن تآكل متسارع لصلاحياتها بفعل التدخلات الإسرائيلية المتواصلة، التي طالت أدق تفاصيل العمل داخل المسجد، وصولًا إلى ما وصفه مسؤولون في الأوقاف بحالة “الشلل الكامل”.
الأوقاف بلا صلاحيات
في السنوات الأخيرة، كثّف الاحتلال الإسرائيلي إجراءاته الرامية إلى تقليص دور دائرة الأوقاف الإسلامية وتحويلها من جهة صاحبة ولاية وإدارة إلى جهة محدودة الصلاحيات، تعمل تحت رقابة مباشرة من شرطة الاحتلال.
وفي هذا السياق، كشف مسؤول رفيع في دائرة الأوقاف الإسلامية أن الدائرة “تم شلّها فعليًا”، مؤكدًا أن الأوقاف لم تعد قادرة على اتخاذ قراراتها أو تنفيذ أعمالها الطبيعية داخل المسجد الأقصى دون الرجوع إلى سلطات الاحتلال والحصول على موافقتها.
وبحسب المسؤول، فإن العديد من الأعمال الإدارية والفنية والخدمية التي كانت تُنفذ بشكل اعتيادي أصبحت متوقفة أو مقيدة منذ شهور طويلة بسبب القيود الإسرائيلية المتزايدة.
تدخل في أدق التفاصيل
لم يعد تدخل الاحتلال مقتصرًا على الاقتحامات أو الإجراءات الأمنية، بل امتد إلى تفاصيل يومية يفترض أنها من صميم اختصاص دائرة الأوقاف.
فقد مُنعت طواقم الأوقاف من إزالة الأعشاب اليابسة والخضراء المنتشرة في بعض ساحات المسجد الأقصى، رغم ما يشكله ذلك من خطر حقيقي مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف واحتمالات اندلاع الحرائق.
كما تفرض سلطات الاحتلال قيودًا على أعمال الصيانة والترميم، حتى في الحالات البسيطة، إذ بات إصلاح نافذة مكسورة أو معالجة أضرار طفيفة يحتاج إلى موافقات وإجراءات معقدة قد لا تُمنح أصلًا.
ولم تتوقف التدخلات عند هذا الحد، بل وصلت إلى التحكم بفتح بعض أبواب المسجد وإغلاقها، وهي مهام كانت تاريخيًا من اختصاص دائرة الأوقاف الإسلامية، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول الجهة التي تمتلك فعليًا القرار والسيادة داخل المسجد الأقصى.
استهداف الحراس والموظفين
بالتوازي مع تقييد صلاحيات الأوقاف، يستخدم الاحتلال سياسة الإبعاد كأداة لإضعاف وجودها الميداني داخل المسجد.
وتشير المعطيات إلى إبعاد 57 موظفًا من دائرة الأوقاف عن المسجد الأقصى، من بينهم 34 حارسًا، في خطوة تستهدف المنظومة التي تتولى حماية المسجد ومتابعة شؤونه اليومية.
ولم يكتف الاحتلال بإصدار قرارات الإبعاد، بل رفض في عدد من الحالات السماح للموظفين الذين انتهت مدة إبعادهم بالعودة إلى مواقع عملهم، ما أدى إلى نقص واضح في الطواقم العاملة داخل المسجد.
معركة على الإدارة والقرار
ما يجري في المسجد الأقصى يتجاوز كونه سلسلة من الاقتحامات أو الإجراءات الأمنية المؤقتة، إذ يكشف عن مسار متكامل يهدف إلى سحب صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية تدريجيًا، وتقويض دورها التاريخي في إدارة المسجد.
وتندرج هذه السياسات ضمن محاولات إعادة تشكيل واقع الأقصى إداريًا وسياديًا، عبر فرض مرجعية الاحتلال على مختلف التفاصيل المتعلقة بالمسجد، بما ينسجم مع مشاريع إسرائيلية وأمريكية سعت خلال السنوات الماضية إلى تغيير شكل الإدارة القائمة في الحرم القدسي.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو المواجهة اليوم معركة على القرار والولاية والسيادة قبل أن تكون معركة على المكان نفسه، إذ إن شلّ الأوقاف وإبعاد الحراس وتقييد أعمال الصيانة والإدارة تمثل حلقات مترابطة في مشروع يستهدف هوية المسجد الأقصى ومستقبله.






