معراج – القدس
لم تعد الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى تقتصر على الاقتحامات الموسمية أو الإجراءات الأمنية المؤقتة، بل تحولت إلى مسار متدرج يستهدف هوية المسجد وإدارته ووظيفته الإسلامية، ضمن سياسة طويلة الأمد تسعى إلى فرض واقع جديد داخل الحرم القدسي.
فالاحتلال يواصل توسيع أدوات السيطرة على الأقصى، مستفيدًا من غياب الردع الحقيقي، ومن حالة الصمت التي وفّرت مساحة مفتوحة لتكريس وقائع تهويدية تتقدم خطوة بعد أخرى، حتى بات المسجد يواجه أخطارًا مركبة تمسّ وجوده وهويته وإدارته في آنٍ واحد.
قفزات تهويدية متدرجة
خلال السنوات الأخيرة، انتقل الاحتلال من مرحلة اختبار ردود الفعل إلى مرحلة فرض الوقائع داخل المسجد الأقصى بشكل تدريجي ومنظم، حيث لم تعد اقتحامات المستوطنين مجرد جولات عابرة، بل تحولت إلى محاولات متواصلة لفرض طقوس دينية توراتية داخل ساحات المسجد.
وشهد الأقصى تصاعدًا واضحًا في مظاهر التهويد، عبر:
- فرض الطقوس الجماعية داخل الساحات.
- السماح بالرقص والغناء والاستعراضات الاستفزازية.
- تكريس الإغلاقات الطويلة، التي وصلت إلى إغلاق المسجد أربعين يومًا في مراحل سابقة.
- محاولات فرض الاقتحامات حتى أيام الجمعة.
- انتزاع صلاحيات الفتح والإغلاق والترميم من دائرة الأوقاف الإسلامية بشكل تدريجي.
- ملاحقة حراس الأقصى وإبعادهم عن مسارات اقتحامات المستوطنين.
- فرض واقع أمني يجعل شرطة الاحتلال صاحبة القرار الفعلي داخل المسجد.
هذه الإجراءات لا تُقرأ كقرارات منفصلة، بل كأجزاء مترابطة ضمن مشروع يستهدف نقل السيطرة الفعلية على المسجد الأقصى من الإدارة الإسلامية إلى الاحتلال بصورة تدريجية.
استهداف الإدارة الإسلامية للأقصى
وفي تصعيد جديد، قررت سلطات الاحتلال إلغاء تصاريح 30 موظفًا إداريًا وعشرات معلمي الأوقاف القادمين من الضفة الغربية، اعتبارًا من الأول من حزيران/يونيو 2026، في خطوة تمسّ بشكل مباشر عمل الأوقاف الإسلامية داخل المسجد الأقصى.
ويُنظر إلى القرار باعتباره حلقة إضافية في سياسة التضييق على كوادر الأوقاف، وإضعاف قدرتها على إدارة شؤون المسجد، عبر تقليص الوجود الإداري والتعليمي داخله.
ولا تتوقف التدخلات الإسرائيلية عند حدود الإدارة، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية في المسجد، حيث تمنع سلطات الاحتلال حتى أعمال الصيانة البسيطة، بما في ذلك قصّ الأعشاب اليابسة في ساحات الأقصى، الأمر الذي يترك أجزاءً واسعة مهددة بخطر الحرائق في أي لحظة.
ويعكس هذا السلوك حجم التحكم الإسرائيلي المتزايد في كل ما يتعلق بالمسجد، حتى في أبسط شؤونه الخدمية والفنية.
إحلال تدريجي وهوية مستهدفة
وترى مؤسسات مقدسية أن ما يجري في الأقصى لم يعد مجرد تضييقات أمنية أو اعتداءات متفرقة، بل عملية إحلال متكاملة تستهدف تغيير هوية المسجد ووظيفته الدينية والتاريخية.
وأكدت مؤسسة القدس الدولية أن المسجد الأقصى “بات على عتبة الإحلال وتحويل هويته إلى هيكل”، مشيرة إلى أن العدوان لم يعد يقتصر على أجزاء من المسجد، بل بات يستهدفه كاملًا، عبر أدوات متعددة تشمل:
- التقسيم الزماني والمكاني.
- فرض الطقوس التوراتية.
- تغيير الإدارة القائمة على المسجد.
- تكريس الهيمنة الأمنية الإسرائيلية داخله.
وترى المؤسسة أن هذه السياسات تتجه نحو تحقيق ما تصفه جماعات الهيكل بـ”الإحلال الكامل”، أي تحويل المسجد الأقصى من مسجد إسلامي خالص إلى فضاء خاضع للرواية التوراتية والمشروع التهويدي.
“الأقصى في أخطار”
وفي توصيف لحجم التهديدات المتصاعدة، قال خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري:
“كنا نقول سابقًا إن الأقصى في خطر واحد، لكن اليوم نقول إن المسجد في أخطار”.
ويعكس هذا التصريح طبيعة المرحلة الحالية، حيث تتداخل الأخطار السياسية والدينية والإدارية والأمنية في استهداف المسجد الأقصى، ضمن مشهد غير مسبوق من التغوّل الإسرائيلي.
السؤال الذي يجلد الأمة
أمام هذا الواقع، يبرز سؤال ثقيل يتردد في القدس وبين أروقة الأقصى: ما الذي تبقى فعليًا من الإدارة الإسلامية للمسجد الأقصى، إذا كانت سلطات الاحتلال تتحكم بالاقتحامات، والإغلاقات، والحراسة، والترميم، وحتى حركة الموظفين داخله؟





