معراج – القدس
الولجة تعد من أعرق القرى الفلسطينية، تبعد نحو 8 كيلومترات جنوب غرب مدينة القدس، وحوالي 4 كيلومترات شمال غرب بيت لحم. كانت أراضيها قبل النكبة تتجاوز 17 ألف دونم، لكن الاحتلال الإسرائيلي سلب معظمها، وبقي منها نحو 3 آلاف دونم فقط حتى عام 2025.
بعد فقدان أراضيهم، اضطر عدد من أهالي القرية للانتقال لمسافات قريبة من ممتلكاتهم السابقة، وأسسوا ما صار يعرف لاحقا باسم “الولجة الجديدة”.
موقعها الاستراتيجي
تقع قرية الولجة على تلة مرتفعة، على بُعد نحو 8 كيلومترات جنوب غرب القدس، وحوالي 4 كيلومترات شمال غرب بيت لحم، على ارتفاع يقارب 750 متراً فوق سطح البحر، مما منحها موقعاً استراتيجياً وتضاريس مميزة.
في القرن التاسع عشر، تميّزت الولجة بوفرة محاصيلها الزراعية، لتصبح بمثابة سلة غذاء مهمة للقدس ومحيطها. ساهمت وفرة المياه وخصوبة الأراضي في تنوع المحاصيل وإثراء النشاط الزراعي فيها.
شهدت القرية طفرة عمرانية مع مرور سكة الحديد التي ربطت القدس بالساحل الفلسطيني عبر أراضيها، مما دفع إلى توسع البناء وظهور طابع معماري متين يجمع بين الحجر التقليدي والإسمنت الحديث.
يشير الموروث الشعبي إلى أن اسم “الولجة” مشتق من موقعها الاستراتيجي المحاط بالجبال، ما جعلها ممراً طبيعياً لعابري السبيل، إذ كانوا “يلجون” عبرها، أي يدخلون منها، فاستقر الاسم ليصبح “الولجة” بمعنى المدخل.
تحيط بالقرية عدة بلدات، فمن الشرق قريتا شرفات والمالحة، ومن الشمال عين كارم، والشمال الغربي صطاف، ومن الغرب بتير، ومن الجنوب الغربي القبو، ومن الجنوب الخضر. قبل الاحتلال، كانت أراضي الولجة تمتد إلى نحو 17 ألف دونم ونصف الدونم.
مع اندلاع نكبة عام 1948، استولى الاحتلال الإسرائيلي على أكثر من 70% من أراضي القرية، ثم استكمل السيطرة على ما تبقى بعد نكسة 1967.
ورغم التهجير القسري الذي دفع الأهالي إلى اللجوء نحو الدول العربية وأراضي فلسطينية أخرى، استقر قسم منهم على بعد بضعة كيلومترات جنوب شرق القرية الأصلية، ليؤسسوا ما عرف لاحقاً بـ”الولجة الجديدة”، بدعم من وكالة الأونروا التي وفرت لهم المأوى ضمن حدود الضفة الغربية بمحافظة بيت لحم.
بعد نكسة 1967، عزز الاحتلال سيطرته على الولجة عبر إقامة مستوطنتي “غيلو” و”هار غيلو” على أراضيها الشرقية والجنوبية الشرقية، وفصل المستوطنات عن بقية الأراضي عبر طرق التفافية تخدم المستوطنين فقط، ثم شمل السيطرة جدار الفصل الإسرائيلي الذي ضم مساحات واسعة من أراضي القرية ضمن حدود بلدية الاحتلال في القدس.
نتيجة هذه الإجراءات، لم يبق للقرية سوى منفذ واحد من الجهة الشمالية، يتحكم فيه الاحتلال عبر حاجز عسكري داخل أراضيها، مما يعرقل حركة السكان ويقيّد تنقلاتهم.
قبل النكبة، كان عدد سكان الولجة حوالي 1910 نسمة موزعين على نحو 300 منزل، وكان معظمهم من المسلمين، وارتبطت حياتهم بالزراعة التي شكّلت العمود الفقري للاقتصاد المحلي، حيث كانت الحبوب والبساتين تشغل أكثر من 8 آلاف دونم من أراضي القرية.
أما الولجة الجديدة، التي أُسست بعد النكبة، فيقدّر عدد سكانها اليوم بحوالي 3 آلاف نسمة، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2025، وتضم 4 عائلات رئيسية هي: الأعرج والحجاجلة وعبد ربه والوهادنة.
ورغم حرص سكانها على التعليم، تعاني القرية من نقص كبير في البنية التحتية والخدمات الأساسية، إذ تحتوي على مدرستين فقط بصفوف محدودة، إحداهما أنشأتها وكالة الأونروا، غير كافية لاستيعاب أعداد الطلاب المتزايدة، مما يضطرهم للالتحاق بمدارس مدينة بيت لحم لاستكمال تعليمهم.
معالهما
اتسمت مباني قرية الولجة بطابع تقليدي فلسطيني، بُنيت من الحجر والطوب والإسمنت، وكانت منازلها متقاربة تفصلها أزقة ضيقة ومتعرجة، ما أعطى القرية طابعها الريفي الأصيل والنسيج العمراني التقليدي.
تعددت معالم القرية بين المحال التجارية البسيطة والآثار التاريخية، مثل المدرجات الزراعية القديمة والحمامات التي يعتقد أنها تعود إلى الحقبة الرومانية، ما يعكس عمق التاريخ في هذه المنطقة.
واحتوى المكان على مسجد الأربعين، الذي لعب دوراً تعليمياً بجانب العبادة، إذ كان يعلم الأطفال القراءة والكتابة، قبل إنشاء مدرسة أساسية للذكور في القرية.
ورغم تدمير الاحتلال لمعظم المباني، بقيت بعض المعالم واضحة، أبرزها:
عين الحنية
تزخر الولجة بنحو 18 عين مياه، وكانت عين الحنية من أبرزها، تشكل متنفساً طبيعياً للسكان ومصدراً رئيسياً لري الأراضي الزراعية وخدمة المزارعين والرعاة.
منذ عام 2016، خصصت سلطات الاحتلال نحو 14 مليون شيكل (قرابة 4 ملايين دولار) لتحويل المنطقة إلى “حديقة وطنية” تحت إدارة “سلطة الطبيعة” الإسرائيلية. ونقل الاحتلال حاجز الولجة العسكري إلى موقع أقرب للقرية، ما عزل العين عن أراضي السكان الأصليين وحصرها في أيدي المستوطنين للترفيه والاستجمام.
كما بقيت في محيط العين بقايا ثلاثة منازل تعود لعائلة الصيفي، الذين أجبروا على مغادرة القرية في نكبة 1948، وتتدفق مياه العين في بركة يعتقد أنها كانت جزءاً من كنيسة بيزنطية نسبها المسيحيون لأحد الحواريين، ما يجعلها موقعاً مقدساً أيضاً.
نفق عين الجوزة
يمر في القرية نفق مائي محفور في الصخر يعرف باسم نفق عين الجوزة، ويعد من أكبر أنظمة قنوات المياه في الريف الفلسطيني. رغم تقديرات نسبته للعصر الحديدي، فإن تقنية الري فيه قديمة جداً وربما أسبق من ذلك العصر.
شجرة الزيتون المعمرة
تحتوي الولجة أيضاً على واحدة من أقدم أشجار الزيتون في فلسطين، ويقدر عمرها بنحو 3500 عام، شاهدةً على تاريخ طويل من الزراعة والحياة المستمرة في هذه الأرض.
سيطرة “إسرائيلية”
في 21 أكتوبر/تشرين الأول 1948، شنت عصابات إسرائيلية هجوماً على قرية الولجة، إلا أن مقاومة مشتركة من الفلسطينيين وعدد من الجنود المصريين غير النظاميين أفشلت محاولات الاحتلال في تلك المرحلة، وحافظت القرية على استقلالها مؤقتاً.
بعد توقيع اتفاقية الهدنة بين الأردن وإسرائيل في أبريل/نيسان 1949، انتقلت الولجة تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب قرى بيت صفاف وبتير والقبو، ما مهد الطريق للسيطرة على نحو 70% من أراضي القرية. وفي عام 1950، أنشأ الاحتلال مستوطنة “عمينداف” على جزء من هذه الأراضي، ليبقى ما يقارب 6 آلاف دونم فقط في حيازة أهل القرية.
تسببت هذه الأحداث في هجرة العديد من أهالي الولجة، واستقر قسم منهم على مقربة من أراضيهم المهجرة، حيث أسسوا ما أصبح يعرف لاحقاً باسم “الولجة الجديدة”.
مع نكسة عام 1967، وسع الاحتلال سيطرته لتشمل نحو نصف الأراضي المتبقية من الولجة، وأقام مستوطنتي “غيلو” في عام 1971 و”هار غيلو” عام 1972، كما شق طرقاً لتسهيل حركة المستوطنين وفصل القرية عن أراضيها، ثم أضاف إليها جدار الفصل العنصري، ما قلص مساحة القرية إلى نحو 3 آلاف دونم، مع وجود منفذ وحيد للجهة الشمالية.
وبموجب اتفاقية أوسلو الموقعة عام 1995، تم تصنيف أكثر من 99% من أراضي الولجة ضمن مناطق “ج”، الخاضعة بالكامل لسيطرة الاحتلال، حيث يُحظر البناء أو أي تطوير دون الحصول على تصريح من السلطات الإسرائيلية التي تكاد ترفض منح هذه التصاريح بشكل دائم.
“القدس الكبرى” التهويدي
في سياق مشروع القدس الكبرى الاستيطاني، الذي يهدف إلى توسيع سيطرة المستوطنات حول القدس، تسعى سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى السيطرة الكاملة على قرية الولجة وتهجير سكانها، مستغلة موقعها الاستراتيجي لتعزيز ما يُعرف بـ”مستوطنات الطوق” وفرض واقع يهودي أوسع.
لتحقيق هذا الهدف، نفذ الاحتلال سلسلة من المشاريع الاستيطانية على أراضي القرية، كان من أبرزها حاجز الولجة. في نهاية عام 2017، أعلنت بلدية الاحتلال في القدس عن خططها لنقل الحاجز الواقع شمال القرية، وهو المشروع الذي رافقته عمليات هدم واسعة شملت أكثر من 14 منزلاً فلسطينياً بين عامي 2020 و2024، قبل أن يتم نقل الحاجز عام 2025 جنوباً نحو أراضي القرية بمسافة كيلومترين تقريباً.
أدى نقل الحاجز إلى حرمان سكان الولجة من الوصول إلى نحو 1200 دونم من أراضيهم الزراعية، كما منعهم من الوصول إلى عين الحنية، التي أصبحت ضمن السيطرة الإسرائيلية بعد النقل. ويشكل الحاجز المنفذ الوحيد للقرية، ما يتيح للاحتلال تقييد حركة السكان بشكل كبير، وتأثيره يمتد على حياتهم اليومية الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.
على سبيل المثال، أغلق الاحتلال الحاجز لمدة أسبوعين بعد عملية “طوفان الأقصى”، التي شنتها المقاومة الفلسطينية على مستوطنات غلاف غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مما يظهر كيف يستخدم الاحتلال هذه المنشآت لتقويض صمود السكان والسيطرة على أراضيهم.
وتعاني قرية الولجة منذ سبعينيات القرن الماضي من سياسة ممنهجة لهدم المنشآت الفلسطينية، إذ أصدرت سلطات الاحتلال بين عامي 1982 و2014 ما يقارب 100 أمر هدم للمنازل، بالإضافة إلى تهديد نحو 70 منشأة أخرى بين عامي 2018 و2025.
وفي عام 2024 وحده، دُمرت نحو 24 منزلاً، بينما هُدمت حوالي 40 منشأة بين عامي 2016 و2022، ما أسهم في زيادة المعاناة الاقتصادية والاجتماعية للسكان.
يبرر الاحتلال هذه الإجراءات بالقول إن المنازل تم بناؤها دون تراخيص، إلا أن محاولات الأهالي للحصول على هذه التصاريح غالباً ما تُقابل بالرفض المتكرر، نتيجة لغياب مخطط هيكلي معتمد للقرية، ما يجعل الأراضي الفلسطينية تحت رحمة قرارات الاحتلال التعسفية.
رفع أهالي القرية عام 2016 قضية جماعية شملت 38 حالة تهديد بالهدم إلى محاكم الاحتلال، بهدف إجبار السلطات على وضع مخطط هيكلي، مما قد يسهل إصدار التراخيص ويمنع قرارات الهدم، إلا أن المحكمة رفضت ذلك وأجلت البت في القضايا مرات عدة.
وفي عام 2022 طالب 50 نائبا ديمقراطيا أميركيا وزير الخارجية الأميركي آنذاك أنتوني بلينكن بوقف تهجير 38 عائلة فلسطينية من الولجة جراء تهديدات إسرائيل بهدم منازلهم، مؤكدين أن تلك الإجراءات تقوض كرامة الفلسطينيين وفرص إحلال السلام.
تشييد المستوطنات
تحقيقا لمشروع القدس الكبرى وإحاطة المدينة المقدسة بطوق من المستوطنات الممتدة، أقرت “اللجنة اللوائية للبناء والتنظيم” الإسرائيلية عام 2021 إنشاء 700 وحدة استيطانية جديدة على أراضي الولجة.
وتعود بدايات النشاط الاستيطاني في القرية إلى ما بعد النكبة، حين أقامت سلطات الاحتلال على أراضيها مستوطنة “عمينداف” عام 1950.
ثم في عام 1971، أنشأ الاحتلال مستوطنة “غيلو” على أراضي الولجة وبيت جالا وشرفات وبيت صفافا التي احتلها بعد النكسة، وامتدت على مساحة تقدر بنحو 3 آلاف دونم.
وبعد ذلك بعام شرع الاحتلال ببناء مستوطنة “هار غيلو” على أراضي الولجة وبيت جالا، على مساحة بلغت 400 دونم. ثم وضع مخططات لتنفيذ توسعة على “هار غيلو” تشمل إنشاء وحدات ومرافق إضافية، إلى جانب طرق التفافية تربطها مع “غيلو ” المجاورة، ومستوطنات شمال القدس وجنوبها، ومستوطنات بيت لحم، مما يعزز السيطرة الإسرائيلية على محيط القدس ويعمق عزل الولجة.

