29 عامًا مرت على “هبة النفق” الشعبية، وما زال المسجد الأقصى المبارك يتعرض لأبشع الانتهاكات الإسرائيلية، وتزداد المخاطر المحدقة به، في ظل تصاعد وتيرة الأنفاق والحفريات أسفل المسجد وفي محيطه.
فمنذ احتلال مدينة القدس عام 1967، لم تتوقف سلطات الاحتلال عن إجراء الحفريات أسفل المسجد الأقصى وفي محيطه، وإقامة الأنفاق، مما يهدد أساساته وجدرانه.
وفي 25 سبتمبر/أيلول 1996، خرج الفلسطينيون في هبّة شعبية سُميت “هبة النفق”، بعد إقدام سلطات الاحتلال على فتح النفق الغربي أسفل الأقصى، إذ توحدت جميع فئات الشعب الفلسطيني للتصدي لقوات الاحتلال في مختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة
وبعد احتلال ما تبقى من المدينة المقدسة، بدأت سلطات الاحتلال بهدم حارة المغاربة جنوب غربي الأقصى، ثم أخذ بالحفر أسفل الرواق الغربي للمسجد حتى أحدث نفقًا كبيرًا يبلغ طوله ما يقارب 330 مترًا.
وجاء افتتاح النفق بأمر من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو لرئيس بلدية الاحتلال حينها إيهود أولمرت، ما فجّر موجة غضب واسعة أدت لاندلاع مواجهات مع قوات الاحتلال امتدت من شمال فلسطين إلى جنوبها.
وكان النفق ضمن مبانٍ قديمة مشيدة في عصور مختلفة ومغطاة بالطمم بسبب تهدم المدينة عدة مرات عبر التاريخ، وكذلك عملية وصل لهذه المباني من خلال حفريات أسفل أساسات مباني قائمة بعرض متر وارتفاع مترين، بالإضافة إلى وجود قناة رومانية قديمة محفورة بالصخر بعرض أقل من متر وارتفاع عدة أمتار.
وأدى حفره إلى ثقب عدد من آبار المياه أسفل الرواق الغربي للمسجد الأقصى، وأحدث تصدعات كبيرة في أبنية الرواق الغربي، كما انهار درج دائرة الأوقاف الإسلامية، بالإضافة إلى انهيار في منطقة سبيل قايتباي، وتخلخلت أساسات 16 معلمًا إسلاميًا.
وفور افتتاح باب النفق، صدحت مآذن القدس بالدعوة لمواجهة هذا الاعتداء الإسرائيلي، وانتشر أهالي المدينة في الشوارع، وتعالت صيحات الاستنكار من حناجرهم، وحالت قوات الاحتلال دون وصولهم لموقع النفق.
وحينها كانت تُوضع اللمسات الأخيرة لتثبيت الباب الحديدي الذي يؤدي إلى مدخل يصل حائط البراق بباب الغوانمة – أحد أبواب الأقصى.
ولم تكن عملية فتح النفق سوى “القشة التي قصمت ظهر البعير”، لذلك جاءت “هبة النفق” نتيجة تراكمات من ممارسات حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو، ومحاولتها فرض وقائع جديدة على الأرض.
ودارت مواجهات عنيفة بين الشبان الفلسطينيين وقوات الاحتلال، رشق خلالها الشبان القوات بالحجارة، وعلى أثرها أخلت ساحات المسجد الأقصى، وأغلقت جميع أبوابه ولاحقت الشبان، واعتقلت 11 شابًا.
وتخلّلت المواجهات اشتباكات مسلحة بين أجهزة أمن السلطة وقوات الاحتلال في بعض المناطق الفلسطينية، كان أعنفها حصار أكثر من 40 جنديًا إسرائيليًا داخل مقام يوسف شرقي مدينة نابلس، وتحرير المقام من سيطرة الاحتلال ورفع الأذان مجددًا داخله بعد عشرات السنين من سيطرة الاحتلال عليه.
واستمرت الهبة الفلسطينية لمدة ستة أشهر، ارتقى فيها 63 شهيدًا فلسطينيًا، وأصيب 1600 آخرون بجروح متفاوتة.
ورغم الطابع السلمي الذي خيم على التظاهرات الفلسطينية، احتجاجًا على فتح النفق، إلا أن القوات الإسرائيلية واجهتها بإطلاق الرصاص المطاطي والحي بكثافة، وخاصةً من العيارات المختلفة مثل رصاص عيار 500 ملم و 800 ملم.
كما استخدمت الطائرات المروحية والدبابات، بالإضافة إلى مشاركة المستوطنين في إطلاق النار على المواطنين الفلسطينيين.
ورغم مرور 29 عامًا على هذه الذكرى، إلا أن حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة ما تزال تسابق الزمن للسيطرة الكاملة على الأقصى، وفرض وقائع جديدة فيه، عبر طمس معالمه وآثاره الإسلامية والعربية وسلخ المسجد عن هويته، سواءً عبر الحفريات والأنفاق أسفله وفي محيطه، أو من خلال تكثيف الاقتحامات وفرض الطقوس والصلوات التلمودية فيه، أو تنفيذ مخططات تهويده.

