معراج – القدس
في مشهد أثار الغضب والحزن معاً، تحوّلت باحات المسجد الأقصى المبارك، يوم الإثنين، إلى ساحة لانتهاكات واستفزازات غير مسبوقة، بعدما اجتاح أكثر من 2100 مستوطن ومقتحم – بعضهم بغطاء السياحة – ساحاته، استجابةً لدعوات جماعات “الهيكل” المزعوم لإحياء ما يسمّى بـ”يوم توحيد القدس”، الذكرى التي تمثل احتلال الشطر الشرقي من المدينة المقدسة عام 1967.
الاقتحامات جرت وسط طوق أمني مشدّد، حيث أغلقت قوات الاحتلال معظم شوارع القدس القديمة لتأمين مسيرات المستوطنين واقتحاماتهم، وتحولت المدينة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية. وداخل الأقصى، رُفع العلم الإسرائيلي علناً، وترددت أصداء النشيد الوطني الإسرائيلي في باحاته، في مشهد استفزازي ينتهك قدسية المكان ويُكرّس الاحتلال الرمزي والفعلي له.
لم يتوقف المشهد عند حدود الاقتحام، بل امتد إلى مسيرة الأعلام التهويدية التي نظّمتها الجماعات المتطرفة في أزقة القدس ومحيط الأقصى، وتخللها الرقص والغناء ورفع الأعلام، إلى جانب رفع لافتات عنصرية كتب عليها شعارات مثل “القدس عاصمة إسرائيل” و”غزة بأيدينا”، في محاولة لتكريس سردية الاحتلال والهيمنة على الجغرافيا والرموز.
كبار الحاخامات ووزراء الحكومة اليمينية المتطرفة حضروا بقوة، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذان ظهرا محمولين على الأكتاف وسط الحشود، يلوّحان بالأعلام، في مشهد استفزازي يعكس دعم الحكومة العلني للمشروع التهويدي.
في الوقت نفسه، تعرّض العديد من المقدسيين في البلدة القديمة لاعتداءات مباشرة من قبل المستوطنين، الذين تجوّلوا تحت حماية جنود الاحتلال، واعتدوا على عدد من الصحفيين أثناء تغطيتهم للأحداث، في محاولة لطمس الحقيقة ومنع توثيق الانتهاكات.
جماعات “الهيكل” المزعوم سخّرت كل إمكانياتها التنظيمية والإعلامية لحشد الأنصار والترويج لهذا اليوم المشؤوم، في إطار سعيها الدائم لفرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى وتكريس وجودها داخله.
وفي ذروة الاستفزاز، ظهر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في فيديو مصوَّر من داخل نفق أسفل الأقصى، يروّج للرواية الصهيونية ويدّعي أن القدس هي “العاصمة الأبدية لإسرائيل”، بالتزامن مع عقده اجتماعاً وزارياً داخل البؤرة الاستيطانية المسماة “مدينة داوود”، المقامة على أراضي سلوان جنوب المسجد، وسط إغلاق كامل للحي وانتشار مكثّف لقوات الاحتلال.
ما جرى لم يكن مجرد احتفال سنوي، بل مشهد مركّب من عربدة منظمة، وتحريض ممنهج، ومحاولة لفرض الهيمنة السياسية والدينية على القدس، في وقت يقف فيه الأقصى وحيداً في مواجهة مشروع استيطاني لا يتوقف.

