ندى جمال
تحل الذكرى الـ26 لاندلاع أحد أعنف فصول التاريخ الفلسطيني المعاصر، ففي 28 سبتمبر 2000م، لم يكن المشهد في باحات المسجد الأقصى مجرد حدث عابر في نشرات الأخبار، بل إيذاناً بانفجار طال انتظاره، ما عُرف لاحقاً بـ«الانتفاضة الفلسطينية الثانية» أو «انتفاضة الأقصى»، كان نتيجة حتمية لانسداد الأفق السياسي، وتراكم الإحباط بعد فشل قمة «كامب ديفيد الثانية» في يوليو من نفس العام، واستمرار سياسات الاستيطان «الإسرائيلية» ومصادرة الأراضي.
واستمرت الانتفاضة 5 سنوات، ودفعت فاتورتها الأغلى أجساد المدنيين، فقد أسفرت عن استشهاد أكثر من 4400 فلسطيني، وإصابة ما يزيد على 48 ألفاً آخرين، فضلاً عن تدمير واسع للبنية التحتية، وفرض حصار خانق وعقاب جماعي شلّ الحياة الاقتصادية واليومية لملايين السكان.
والشرارة التي أشعلها أرئيل شارون بخطوته الاستفزازية تحولت إلى نار أحرقت «وهْم أوسلو»، ووضعت الشعب الفلسطيني أمام مواجهة يومية دامية لحماية وجوده ومقدساته.
بين مناورات الكنيست والذاكرة الفلسطينية المثقلة بالدماء، نستعرض تالياً أبرز محطات «انتفاضة الأقصى» عبر 6 مشاهد موثقة:
1- مفاوضات «كامب ديفيد» تصل إلى طريق مسدود:
في يوليو 2000م، استضاف الرئيس الأمريكي (الأسبق) بيل كلينتون قمة «كامب ديفيد الثانية» التي جمعت الرئيس الفلسطيني (الراحل) ياسر عرفات، ورئيس الوزراء «الإسرائيلي» (الأسبق) إيهود باراك، كان الهدف المعلن التوصل إلى اتفاق الوضع النهائي الذي ينهي الصراع التاريخي.
تمركز الخلاف حول القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها السيادة على القدس الشرقية وتحديداً المسجد الأقصى، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وترسيم حدود الدولة الفلسطينية.
ورافق هذا الفشل الدبلوماسي واقع ميداني مرير؛ فخلال سنوات «السلام» المزعوم منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 وحتى عام 2000م، تضاعفت أعداد المستوطنين في الأراضي الفلسطينية بشكل ملحوظ، أدى هذا التناقض الصارخ بين وعود السلام وواقع التوسع الاستيطاني إلى انهيار ثقة الشارع الفلسطيني في مسار المفاوضات بأكمله.
خلق انهيار قمة «كامب ديفيد» فراغاً سياسياً خطيراً، وترك حكومة باراك في حالة من الضعف الداخلي الشديد، في هذا التوقيت المشحون بالإحباط الفلسطيني والهشاشة السياسية «الإسرائيلية»، وجد أرئيل شارون الثغرة المثالية لتنفيذ خطوته الاستفزازية لقلب الطاولة على الجميع.
2- شارون يدخل الحرم القدسي:
في صباح 28 سبتمبر 2000م، دخل أرييل شارون، زعيم حزب الليكود المعارض آنذاك، إلى باحات المسجد الأقصى في القدس، برفقة أكثر من ألف شرطي «إسرائيلي»، وطالب مسؤولون فلسطينيون وأمريكيون باراك بمنعها، لكنه رفض، معتبرًا أن الزيارة تحرك سياسي داخلي من جانب خصمه.
كان شارون زعيماً للمعارضة (حزب الليكود)، لكنه كان يواجه تهديداً مزدوجاً؛ الأول من غريمه الداخلي بنيامين نتنياهو الذي كان يخطط للعودة بقوة واقتناص زعامة اليمين المتطرف منه، والثاني من رئيس الوزراء باراك، الذي كان يحاول ترويج نفسه كصانع سلام.
أراد شارون توجيه ضربة استباقية قاتلة للطرفين عبر نقطة الخلاف الأبرز في مفاوضات «كامب ديفيد»؛ المسجد الأقصى، بتنفيذه هذا الاقتحام، أراد إثبات أنه الصقر الأقوى والحارس الأشرس للسيادة «الإسرائيلية»، ليقطع الطريق تماماً على طموحات نتنياهو، وفي الوقت ذاته، نصب فخاً محكماً لباراك؛ إن منعه باراك من الزيارة، سيُتهم بالضعف والتنازل للفلسطينيين، وإن سمح له ووفر له الحماية (وهو ما حدث بالفعل)، ستنفجر الأوضاع حتماً وتنهار حكومة باراك ومسار السلام بأكمله.
ولكن هل كسب شارون الرهان؟ من منظور السياسة «الإسرائيلية» البراغماتية، حقق شارون انتصاراً كاسحاً، انهارت حكومة باراك تحت وطأة الفشل الأمني والسياسي، واضطر للدعوة لانتخابات مبكرة مطلع عام 2001م، في تلك الانتخابات، وأطاح شارون بباراك، وأجبر نتنياهو على التراجع والتنحي عن القيادة لسنوات، ليصعد هو إلى كرسي رئاسة الوزراء، لقد كسب شارون معركته الحزبية الخاصة، ولكن ثمن هذه المقامرة السياسية كان إشعال حريق هائل دفع الفلسطينيون ثمنه من دمائهم وحياتهم اليومية لسنوات طويلة.
3- شرارة المواجهات في القدس:
لم يمر اقتحام شارون كحدث سياسي عابر، ففي صبيحة اليوم التالي، الجمعة 29 سبتمبر 2000م، تحولت ساحات المسجد الأقصى إلى نقطة الصفر لانفجار شعبي واسع، عقب انتهاء صلاة الجمعة، بدأ الشبان الغاضبون برشق الحجارة تعبيراً عن رفضهم لما اعتبروه تدنيساً لمقدساتهم، لكن الرد «الإسرائيلي» جاء دموياً كعادته.
أسفرت تلك الساعات الدامية عن ارتقاء 7 شهداء فلسطينيين داخل باحات «الأقصى» وإصابة أكثر من 200 آخرين بجروح متفاوتة، ولم تتوقف ارتدادات هذا اليوم عند حدود القدس والضفة وغزة؛ فقد وثقت «لجنة أور» كيف امتد الغضب إلى الفلسطينيين داخل الخط الأخضر (عرب 48) في مطلع أكتوبر، وأدانت اللجنة في تقريرها النهائي الشرطة «الإسرائيلية» باستخدام الرصاص الحي بشكل غير مبرر ضد المواطنين العرب؛ ما أدى إلى استشهاد 13 متظاهراً.
4- محمد الدرة.. الصورة التي هزّت العالم والضمير الإنساني:
في 30 سبتمبر 2000م، لم يكن العالم يعرف بعد أن صورة واحدة من قطاع غزة ستصبح أحد أكثر الرموز رسوخًا في ذاكرة الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
عند تقاطع نتساريم جنوب مدينة غزة، كان الطفل الفلسطيني محمد الدرة (12 عامًا)، برفقة والده جمال، وسط إطلاق نار، احتمى الأب وابنه خلف حاجز إسمنتي، بينما كان المصور الفلسطيني طلال أبو رحمة، الذي كان يعمل لصالح قناة «France 2»، يصور المشهد، وتُظهر اللقطات الأب وهو يحاول حماية ابنه بجسده، قبل أن يسقط محمد مصابًا ثم يموت متأثرًا بإصاباته.
لكن قصة الدرة لم تتوقف عند لحظة مقتله، فقد تحولت اللقطات نفسها لاحقًا إلى واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل حول التغطية الإعلامية للصراع؛ إذ نفت «إسرائيل» مسؤولية قواتها عن إطلاق النار الذي قتل الطفل، بينما تمسكت «France 2» ورواية المصور بما يفيد أن الدرة قُتل برصاص «إسرائيلي»، وبقيت مسألة مصدر الرصاص موضع نزاع وتحقيقات لاحقة.
لم تكن صورة الدرة مجرد صورة من صور الانتفاضة؛ لقد أصبحت ذاكرة بصرية كاملة لمرحلة بدأت فيها أعداد الضحايا الفلسطينيين في الارتفاع، بينما كانت المواجهات تتسع من القدس إلى الضفة الغربية وقطاع غزة
5- الانتفاضة تتحول إلى مواجهة واسعة:
بعد أسابيع من المواجهات الشعبية وسقوط مئات الشهداء برصاص الجيش «الإسرائيلي»، أدرك الشارع الفلسطيني أن الحجارة لن تردع آلة عسكرية مصممة على استخدام القوة المميتة، شكلت هذه المرحلة نقطة تحول جذرية، حيث سقطت آخر أوراق اتفاقيات أوسلو الأمنية، وانخرطت الأجنحة العسكرية للفصائل كافة في مواجهة مسلحة شاملة من داخل المدن الفلسطينية.
وبدأت بتنفيذ عمليات إطلاق نار واشتباكات مع نقاط التفتيش والمستوطنات، وتطور الأمر لاحقاً إلى تنفيذ عمليات تفجيرية داخل العمق «الإسرائيلي» رداً على استهداف المدنيين، وفي قطاع غزة، بدأت الفصائل بتطوير قدراتها وتصنيع الأسلحة محلياً، فشهدت تلك الفترة إطلاق أولى الأجيال من الصواريخ محلية الصنع (مثل صواريخ «القسام») باتجاه المستوطنات المحاذية؛ ما خلق معادلة ردع جديدة.
في المقابل، صعدت «إسرائيل» من هجومها مستخدمة الطائرات الحربية والمروحيات لضرب الأحياء السكنية، وبلغ التصعيد ذروته في ربيع عام 2002م بإطلاق عملية «الدرع الواقي»، حيث اجتاحت الدبابات مدن ومخيمات الضفة الغربية (كما حدث في مجزرة جنين).
6- من الانتفاضة إلى إعادة تشكيل المشهد.. انسحاب من غزة وجدار يبتلع الضفة:
لم تنتهِ الانتفاضة الثانية باتفاق سياسي، بل انتهت بفرض «إسرائيل» لواقع جغرافي وديموغرافي جديد كلياً، غيّر شكل الأرض ومعادلة الصراع بشكل جذري.
أدرك شارون أن البقاء في قطاع غزة أصبح مستحيلاً ومكلفاً عسكرياً تحت وطأة ضربات المقاومة، وفي أغسطس 2005م، نفذت «إسرائيل» خطة أحادية الجانب عُرفت بـ«فك الارتباط»، حيث فككت 21 مستوطنة وسحبت قواتها من داخل القطاع، تغيرت خريطة غزة تماماً، وفرض حصار بري وبحري وجوي خانق من الخارج، ليتحول القطاع إلى أكبر سجن مفتوح في العالم.
أما الكارثة الأكبر على صعيد الأرض فكانت في الضفة الغربية والقدس، فقد استغلت «إسرائيل» سنوات المواجهة لتغيير معالم الأرض بقوة الحديد والأسمنت، وبدأت في عام 2002م ببناء «الجدار العازل» (جدار الفصل العنصري)، لم يكن الجدار مجرد حاجز أمني يمر على الحدود، بل كان مشروعاً استيطانياً توسعياً.

