معراج – القدس
لم تعد معركة الاحتلال داخل المسجد الأقصى مقتصرة على الاقتحامات اليومية أو التضييق على المصلين والمرابطين، بل انتقلت إلى مستوى أكثر خطورة يتمثل في استهداف المرافق الحيوية التابعة للمسجد المبارك. فهذه المرافق لا تمثل مجرد مبانٍ تاريخية أو مرافق خدمية، بل تشكل جزءاً أصيلاً من الهوية الإسلامية للأقصى ومنظومته الإدارية والعلمية والدينية.
وخلال الفترة الأخيرة، تصاعدت إجراءات الاحتلال بحق أربعة مرافق رئيسية داخل المسجد، هي قبة الإمام الغزالي فوق سطح مصلى باب الرحمة، ودار الحديث الشريف بين بابي الرحمة والأسباط، وقبة سليمان المقابلة لباب الملك فيصل، وقبة موسى بمحاذاة باب السلسلة. ويجري استهداف هذه المواقع تحت ذرائع أمنية متكررة، في مشهد يعيد إلى الأذهان المقدمات التي سبقت استهداف مصلى باب الرحمة ومحاولة فرض السيطرة عليه.
ولا تبدو هذه الخطوات منفصلة عن سياقها العام، إذ تأتي ضمن سياسة تقوم على إضعاف حضور الأوقاف الإسلامية داخل المسجد الأقصى وتقليص دورها في إدارة شؤونه، فكل تضييق على مرفق من مرافق الأقصى يعني عملياً تضييقاً على الإدارة الإسلامية للمسجد، وإفساحاً للمجال أمام تدخل الاحتلال في تفاصيل المكان وإعادة تشكيل واقعه بما يخدم أهدافه.
كما أن استهداف هذه المرافق يحمل بعداً آخر يتمثل في تفريغ المسجد من وظائفه الطبيعية والدينية والعلمية. فالمكان الذي يحتضن حلقات العلم والنشاط الديني والوجود البشري الدائم، يمثل عقبة أمام مشاريع الاحتلال الرامية إلى تحويل الأقصى إلى مساحة خاضعة لسيطرته الكاملة. ولذلك يصبح التضييق على المرافق خطوة موازية للتضييق على المصلين والمرابطين، ضمن سياسة تستهدف الإنسان والمكان في آن واحد.
ويكشف تتبع سلوك الاحتلال في الأقصى أن السيطرة لا تبدأ عادةً من المصليات الكبرى، بل من الأطراف والمرافق المحيطة بها. فالإغلاق المؤقت يتحول إلى تقييد دائم، والتضييق الإداري يتطور إلى محاولة فرض السيادة، فيما تتحول الذرائع الأمنية إلى غطاء لمشاريع أوسع تتعلق بإعادة رسم المشهد داخل الحرم القدسي.
لذلك لا يُنظر إلى استهداف قبة أو دار حديث أو مرفق تاريخي باعتباره إجراءً معزولاً، بل باعتباره جزءاً من معركة متكاملة تستهدف هوية المسجد الأقصى وإدارته الإسلامية. فالمطلوب ليس السيطرة على مبنى هنا أو غرفة هناك، وإنما تفكيك البنية التي تحفظ للأقصى شخصيته الإسلامية المستقلة وتكرّس حق المسلمين الحصري في إدارة شؤونه.
وفي ظل هذا المسار المتصاعد، تبدو معركة المرافق واحدة من أخطر المعارك الدائرة اليوم داخل المسجد الأقصى، لأنها تستهدف البنية الصامتة التي يقوم عليها المسجد، وتمهد لتغييرات تدريجية قد تتحول مع الوقت إلى وقائع ثابتة. وما يجري اليوم في هذه المرافق قد يكون مقدمة لما هو أكبر غداً، إذا تُرك المجال مفتوحاً أمام الاحتلال لمواصلة مشروعه الرامي إلى إحكام القبضة على كل شبر من الحرم القدسي، وصولاً إلى فرض واقع جديد يخدم أهداف التهويد والسيطرة.

