معراج – القدس
لم تعد مشاريع الاحتلال في القدس تقتصر على بناء مستوطنة جديدة أو شق شارع استيطاني أو توسيع جدار الفصل العنصري، بل باتت تمتد إلى مشاريع تبدو في ظاهرها خدمية وبيئية، بينما تخفي في جوهرها أهدافًا سياسية وجغرافية تتعلق بالسيطرة على الأرض وإعادة تشكيل المشهد المكاني في القدس المحتلة.
وفي هذا السياق، صادقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مؤخرًا على مشروع جديد في بلدة قلنديا شمالي القدس المحتلة، يقضي بالاستيلاء على نحو 278 دونمًا من أراضي البلدة لإقامة منشأة لمعالجة النفايات وتحويلها إلى طاقة كهربائية تُستخدم في تغذية شبكة الكهرباء الإسرائيلية.
أكثر من منشأة نفايات
لا تنحصر آثار المشروع في إنشاء محطة لمعالجة النفايات فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى تغييرات ميدانية واسعة تشمل إعادة رسم مسار جدار الفصل العنصري القائم ودفعه نحو عمق أراضي البلدة، بما يؤدي إلى توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على حساب الأراضي الفلسطينية.
وهذا يعني عمليًا اقتطاع مساحات جديدة من أراضي قلنديا وعزلها عن أصحابها الفلسطينيين، ضمن سياسة متواصلة تستخدم فيها سلطات الاحتلال أدوات متعددة للاستيلاء على الأرض، سواء عبر الاستيطان المباشر أو من خلال مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة التي تخدم المنظومة الإسرائيلية.
تهديد مباشر للسكان والأرض
تكمن خطورة المخطط في المنطقة المستهدفة نفسها، إذ تضم نحو 40 منزلًا مأهولًا بالسكان، إلى جانب مساحات زراعية واسعة تحتوي على أشجار الزيتون والمحاصيل الموسمية والحبوب التي تشكل مصدر دخل أساسيًا للعديد من العائلات.
ولا يقتصر الضرر المتوقع على خسارة الأراضي الزراعية فقط، بل يمتد إلى تهديد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأهالي، في ظل ما قد يرافق المشروع من قيود إضافية على الحركة والوصول إلى الأراضي، فضلًا عن الأضرار البيئية والصحية الناتجة عن إقامة منشأة ضخمة لمعالجة النفايات بمحاذاة التجمعات السكنية الفلسطينية.
مشروع قديم يعود إلى الواجهة
ورغم أن المصادقة الحالية تبدو وكأنها خطوة جديدة، فإن جذور المشروع تعود إلى حزيران/يونيو 2024، حين اختارت شركة “عيدن” الإسرائيلية قطعة أرض في قلنديا تبلغ مساحتها نحو 130 دونمًا لإقامة منشأة لمعالجة النفايات واستعادة الطاقة، رغم وجود منازل وأراضٍ زراعية داخل المنطقة المستهدفة.
لكن التطور الأبرز جاء في نيسان/أبريل 2025، عندما فعّلت حكومة الاحتلال مصادرتين قديمتين تعودان إلى عامي 1970 و1982، وتشملان أكثر من 1300 دونم من الأراضي، من بينها 390 دونمًا تعود لأهالي قلنديا، ما وفر الغطاء القانوني الإسرائيلي للمضي قدمًا في تنفيذ المشروع.
ويعكس هذا المسار نمطًا متكررًا في السياسات الإسرائيلية، يقوم على إحياء أوامر ومصادرات قديمة وإعادة توظيفها بعد عقود لخدمة مخططات استيطانية جديدة.
هندسة جغرافية لمحيط القدس
لا يمكن فصل المشروع عن السياق الأوسع الذي تشهده القدس ومحيطها خلال السنوات الأخيرة، حيث تتسارع الخطوات الإسرائيلية الرامية إلى إعادة هندسة الحيز الجغرافي للمدينة وربط المستوطنات المحيطة بها بشبكات بنية تحتية متكاملة.
فالمشروع الجديد لا يوفر خدمة بيئية فحسب من وجهة النظر الإسرائيلية، بل يرسخ حضور المؤسسات والمنشآت الإسرائيلية في منطقة فلسطينية حساسة، ويمنح الاحتلال ذريعة إضافية للسيطرة على مزيد من الأراضي وإعادة تنظيمها بما يخدم رؤيته طويلة المدى للقدس.
مخاوف بيئية وصحية
حذرت محافظة القدس من أن المشروع يحمل مخاطر بيئية وصحية مباشرة على التجمعات السكنية الفلسطينية المكتظة في قلنديا ومحيطها، خاصة في ظل قرب المنشأة المزمع إنشاؤها من المناطق المأهولة.
وتشير المحافظة إلى أن المشروع يمثل خطوة إضافية في سياسة فرض الأعباء البيئية على التجمعات الفلسطينية، بينما تستفيد المنظومة الإسرائيلية من الأرض والطاقة الناتجة عن المشروع.





