علي إبراهيم
لا تتوقف آلة الاحتلال التهويديّة عن استهداف كل ما في القدس المحتلة، بهدف فرض سيطرة الكيان الشاملة على المدينة المحتلة، وتتنوع هذه المخططات ما بين الاستيطان والمصادرة، واستهداف المقدسات، وصولًا إلى توظيف “القوة الناعمة”، واحدةً من أدوات طمس هوية المدينة، والعبث في تاريخها ومعالمها. فتحت غطاء الفعاليات الثقافية، والسباقات الرياضية، والمهرجانات الترفيهية، تُسابق سلطات الاحتلال وأذرعها المختلفة الزمن لفرض وقائع جديدة على الأرض، وتزييف التاريخ، وتهميش الوجود الفلسطيني وطمسه. ويسلط هذا المقال الضوء على أبرز هذه الانتهاكات والفعاليات التهويدية التي شهدتها القدس في العام الماضي، والتي تعكس استراتيجية ممنهجة ومستمرة لتحويل مساحة المدينة ومقدساتها إلى ساحات احتفالية تخدم الرواية الإسرائيلية وتستهدف هوية القدس الأصيلة.
وتسعى أذرع الاحتلال إلى إحداث أي تغيير في معالم المدينة المحتلة وهويتها، ومن بينها تغيير اللافتات الإرشادية في المدينة، ففي 9/1/2025 علّق نشطاء من “منظمات المعبد” عشرات اللافتات في محيط المسجد الأقصى، في سياق محاولاتهم تغيير اسم المسجد إلى “جبل المعبد”، وتتضمن هذه اللافتات الاسم المزوّر باللغتين العبرية والإنجليزية مع رسمٍ “للمعبد” المزعوم، وجاءت هذه الخطوة على أثر اعتراض أعضاء المنظمات المتطرفة على وجود لافتات توجّه إلى حائط البراق والمسجد الأقصى باسميهما. واللافت في هذه الخطوة أنها جاءت من قبل المستوطنين الفاعلين في منظمات الاحتلال المتطرفة، في سياق فرض هذه التسميات على أرض الواقع، والمضي قدمًا بها، من دون انتظار بلدية الاحتلال أو أذرع الاحتلال الأخرى للقيام بهذه الخطوة.
وفي هذا السياق تُقيم سلطات الاحتلال وأذرعها عددًا من الفعاليات التهويديّة الكبرى، التي تتخذ من الثقافة والرياضة، والفنون والطعام وغيرها غطاءً لهذا التزييف المتعمّد، وتستهدف من خلالها القدس برمتها، فيما يركز بعضها الآخر على عددٍ من معالم المدينة التاريخيّة والأثرية، ففي 2/4/2025 أعلنت بلدية الاحتلال عن تنظيم “ماراثون” تهويديّ يمتدّ ما بين شطري القدس المحتلة، بمشاركة آلاف المستوطنين. وفي 4/4/2025 أغلقت قوات الاحتلال معظم الشوارع الرئيسة الحيوية في مدينة القدس، لتنظيم الماراثون التهويدي، وقد شارك فيه آلاف المستوطنين، ومن اللافت إعفاء بلدية الاحتلال جنود الاحتلال وعائلتهم من رسوم التسجيل لهذا “المارثون”، خاصة من شارك منهم في حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
ولم يكن السباق آنف الذكر هو الوحيد في عام 2025، ففي 21/5/2025 أعلنت بلدية الاحتلال في القدس تنظيمها أكبر فعالية لركوب الدراجات الهوائية في الأراضي المحتلة، بمشاركة 4 آلاف مستوطن، وأقامت أذرع الاحتلال الفعالية التهويديّة في 23/5/2025، واختارت لها يوم الجمعة في سياق التنغيص على حركة المصلين، وخاصة ذهابهم للصلاة في المسجد الأقصى، وشهد يوم الفعالية إغلاقًا للعديد من الطرق الحيوية وخاصة تلك المؤدية إلى المسجد الأقصى، وقد انطلقت من غرب سور القدس، الساعة 5:30 صباحًا، ثم مرّت حول السور، وبلدة سلوان، ووادي قدرون، وجبل المشارف، وباب المغاربة، وبركة السلطان، وصولًا إلى قرية المالحة المهجرة، حيث انتهت فعالياتها في الساعة 11 صباحًا.
وتستغل سلطات الاحتلال أي مناسبة وطنية للكيان، وأي عيدٍ يهوديّ لفرض المزيد من التغييرات على هوية القدس المحتلة، وتنظم في سياق “الاحتفالات” بهذه المناسبات اعتداءاتٍ مختلفة، تمسّ هوية المدينة العربيّة والإسلامية، وتختلق تاريخًا يهوديًا دخيلًا، ومن أبرز هذه المناسبات يوم “توحيد القدس”، وهو الذكرى العبرية لاحتلال الشطر الشرقي لمدينة القدس. ففي 26/5/2025 بالتزامن مع هذه الذكرى، نظمت أذرع الاحتلال “مسيرة الأعلام” الاستيطانية السنوية، التي شارك فيها آلاف المستوطنين بحماية قوات الاحتلال، ووصل المستوطنون من الشطر الغربي للقدس إلى ساحة باب العمود، ومن ثمّ توجهوا إلى البلدة القديمة، رافعين أعلام الاحتلال، وشارك في المسيرة عددٌ من وزراء الاحتلال أبرزهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، إضافةً إلى عددٍ من أعضاء “الكنيست”، وشارك مئات المستوطنين المتطرفين في العدوان على الفلسطينيين ومحالهم التجارية في البلدة القديمة، حيث رددوا هتافات معادية للعرب والمسلمين، من بينها “سنحرق قريتكم”، و”الموت للعرب”، وبحسب مصادر محلية اعتدى المستوطنون على عددٍ من الفلسطينيين، وحطموا خلال مرورهم في أحياء البلدة القديمة ممتلكات الفلسطينيين، وحاول عددٌ منهم الاعتداء على سيدات فلسطينيات قبل أن تتمكن من الفرار إلى أحد المنازل في البلدة القديمة.
وفي سياق المهرجانات التهويديّة، أطلقت بلدية الاحتلال في القدس خلال شهر تموز/يوليو مهرجانًا استيطانيًّا للطعام يُدعى “أوتو اوخل”، وامتدّ المهرجان ما بين بداية شهر تموز/يوليو حتى 24/7/2025، وأُقيم للعام السابع على التوالي، في منطقة “قصر المفوض السامي” التي تتكون من سلسلة تلال تطل على جبل المكبر وسلوان والبلدة القديمة، ويسعى المهرجان إلى جذب المستوطنين من أنحاء الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، ويضم أكثر من 30 مطعمًا ومنصة طعام، ويتضمن عرضا ليليًا لليزر والأضواء في سماء القدس.
وتزامنًا مع المهرجان السابق، نظمت أذرع الاحتلال “مهرجان القدس السينمائي”، وهو مهرجان دولي يُعقد في القدس المحتلة سنويًا، ويُعدّ أبرز المهرجانات السينمائية التي تُنظم في الأراضي المحتلة، ويُنظم المهرجان بالشراكة مع عشرات المؤسسات داخل كيان الاحتلال وخارجه. ويُفتتح المهرجان في واحدٍ من المواقع الأثرية في القدس المحتلة وهي “برك السلطان”، وتُعرض الأفلام السينمائية المشاركة في هذا الموقع الأثري، إلى جانب صالات عرض وقاعاتٍ في الشطر الغربي من القدس المحتلة، وأقيمت الدورة الـ 42 من المهرجان ما بين 17 و26/7/2025. وخلال هذه النسخة كرم المهرجان ممثلة يهودية عالمية، عُرف عنها دعمها جيش الكيان وحرب الإبادة على غزة.
لم تتوقف هذه الفعاليات بانتهاء العام، بل أصبحت محطة تهويدية سنوية؛ فعلى غرار الماراثون الذي أوردناه سابقاً، نظمت بلدية الاحتلال في 17/4/2026 “ماراثون” تهويدي آخر، وتُشير المصادر العبرية، إلى أن أهمية هذا الماراثون أنه يمرّ في مناطق أثرية، وقرب معالم يصل عمرها إلى آلاف السنين، في إشارة إلى معالم القدس المحتلة، وخاصة البلدة القديمة، وقد استبقت شرطة الاحتلال الماراثون بإغلاق بعض الطرقات في المدينة المحتلة، وتتعمد بلدية الاحتلال تنظيمه يوم الجمعة، في سياق التنغيص على المصلين، وعرقلة وصولهم إلى المسجد الأقصى المبارك.
ختامًا، يتضح من خلال استعراض هذه الفعاليات والممارسات أن سلطات الاحتلال تتبنى استراتيجية شاملة تتجاوز التهويد الجغرافي والديمغرافي، لتصل إلى “التهويد الثقافي والرمزي” للقدس المحتلة، من خلال تحويل الشوارع والمعالم الأثرية، إلى مسارح لماراثونات ومهرجانات استيطانية، في إطار لفرض سيادة وهمية واصطناع تاريخ بديل.

