لم يكن حريق المسجد الأقصى المبارك في 21 أغسطس 1969 مجرد حادث عابر، بل كان نقطة تحول تاريخية كشفت عن الأهداف الحقيقية لسلطات الاحتلال الإسرائيلي تجاه القدس والمقدسات الإسلامية. فمنذ ذلك اليوم، دخلت الحرب الإسرائيلية على المدينة المقدسة مرحلة جديدة، تميزت بتصاعد المشاريع التهويدية، لكنها قوبلت بصمود فلسطيني منقطع النظير.
أولا: حريق المسجد الأقصى المبارك:
يوم 21 أغسطس/آب 1969، اقتحم متطرف أسترالي الجنسية يدعى دينيس مايكل روهان المسجد الأقصى من باب الغوانمة، وأشعل النار في المصلى القبلي بالمسجد الأقصى. وجاء ذلك في إطار سلسلة من الإجراءات التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948 بهدف طمس الهوية الحضارية الإسلامية لمدينة القدس.
شب الحريق في الجناح الشرقي للمصلى الواقع في الجهة الجنوبية من المسجد الأقصى، وأتت النيران على واجهات المسجد الأقصى وسقفه وسجاده وزخارفه النادرة وكل محتوياته من المصاحف والأثاث، وتضرر البناء بشكل كبير، مما تطلب سنوات لترميمه وإعادة زخارفه كما كانت.
والتهمت النيران أيضا منبر المسجد التاريخي الذي أحضره صلاح الدين الأيوبي من مدينة حلب، وذلك عندما استعاد المسلمون بيت المقدس عام 1187م، وقد كانت لهذا المنبر الجميل مكانة خاصة، حيث إن السلطان نور الدين زنكي هو الذي أمر بإعداده ليوم تحرير الأقصى.
وبينما قطع الاحتلال الماء عن المصلى القبلي ومحيطه، وتباطأ في إرسال سيارات الإطفاء، هرع الفلسطينيون إلى إخماد النيران، بملابسهم وبالمياه الموجودة في آبار المسجد الأقصى.
زعمت إسرائيل أن الحريق كان بفعل تماس كهربائي، وبعد أن أثبت المهندسون العرب أنه تم بفعل فاعل، ذكرت أن شابا أستراليا اسمه دينيس مايكل روهان هو المسؤول عن الحريق وأنها ستقدمه للمحاكمة، ولم يمض وقت طويل حتى ادعت أن هذا الشاب معتوه ثم أطلقت سراحه.
أثار الحريق استنكارا دوليا، واجتمع مجلس الأمن الدولي وأصدر قراره رقم 271 لسنة 1969 -بأغلبية 11 صوتا وامتناع 4 دول عن التصويت من بينها الولايات المتحدة الأميركية– الذي أدان فيه إسرائيل ودعاها إلى إلغاء جميع التدابير التي من شأنها تغيير وضع القدس.
وجاء في القرار أن “مجلس الأمن يعبر عن حزنه للضرر البالغ الذي ألحقه الحريق بالمسجد الأقصى يوم 21 أغسطس/آب 1969 تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، ويدرك الخسارة التي لحقت بالثقافة الإنسانية نتيجة لهذا الضرر”.
وعلى صعيد الدول العربية والإسلامية، كانت هناك حالة غضب عارمة، واجتمع قادة هذه الدول في الرباط يوم 25 سبتمبر/أيلول 1969 وقرروا إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي ضمت في حينها 30 دولة عربية وإسلامية، وأنشأت صندوق القدس عام 1976.
ثم في العام التالي أنشئت لجنة القدس برئاسة الملك المغربي الراحل الملك الحسن الثاني للمحافظة على مدينة القدس ومقدساتها الإسلامية ضد عمليات التهويد التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلية.
في المقابل علقت رئيسة وزراء الاحتلال في حينه غولدا مائير على الموقف العربي قائلة: “عندما حُرق الأقصى لم أنم تلك الليلة، واعتقدت أن إسرائيل ستُسحق، لكن عندما حلّ الصباح أدركت أن العرب في سبات عميق”.
بعد عام واحد من حريق المصلى القبلي، بدأت أعمال الترميم فيه بتشكيل لجنة إعمار الأقصى، حيث وضع حاجز من الطوب يفصل ربع المصلى القبلي المحروق عن باقي الأروقة التي لم تتأذ.
ووضع بدل منبر نور الدين زنكي منبر حديدي، واستمرت أعمال الترميم حتى عام 1986، فأزيل الطوب واستؤنفت الصلاة في الجزء الجنوبي من المسجد، وبقي المنبر الحديدي حتى عام 2006، ريثما يُصنع منبر على شاكلة الذي حرق.
ثانيا: ماذا بعد الحريق؟
بعد هذه الجريمة، شهدت مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى المبارك تحولات خطيرة تمثلت في سلسلة من الإجراءات المتتابعة والمتصاعدة تهدف إلى تهويد المدينة والسيطرة التامة على المسجد الأقصى، وتهويده، وتحويله إلى بناء تلمودي صهيوني خالص، وهي الإجراءات التي بدأتها بمجرد فرض سيطرتها على المدينة، حيث سعت إسرائيل لفرض السيادة الحكومية على المسجد، من خلال تدخلها في إجراءات موظفي الأوقاف الذين ظلوا تابعين للأردن، ومن تلك الإجراءات مثلا محاولة التدخل في مضمون خطبة الجمعة، وهو الأمر الذي قوبل بمواجهة ورفض، ما اضطر الاحتلال للتراجع.
ويمكن تلخيص هذه التحولات فيما يلي:
- التحولات الخطيرة في المسجد الأقصى:
في السبعينات والثمانينيات بدأت الاعتداءات الاسرائيلية المسلحة على المسجد الأقصى بالتصاعد، ففي عام 1982 حدث ما عرف بـ”مجزرة الأحد”، حيث أطلق الإسرائيليون النار على المسلمين في المسجد الأقصى ما أدى إلى استشهاد فلسطينيين اثنين وإصابة 60 آخرين
في الوقت ذاته بدأت الحفريات أسفل المسجد الأقصى وفي محيطه على أمل اكتشاف آثار يهودية، يتم البناء عليها كإثباتات تؤكد ملكية الإسرائيليين له، أو على أمل أن تؤدي الحفريات الضخمة إلى انهيار المسجد، ما سيجعل إمكانية تقسيمه أسهل من خلال السيطرة على عملية إعادة ترميمه، وقد كُشفت أول هذه الحفريات عام 1974، والتي تصاعدت لاحقا، فكان من آثارها انفجار هبة النفق عام 1996، والتي استمرت 3 أيام كفعل جماهيري فلسطيني ثوري مثّل خطوة انتقالية مهمة في مسار الصدام حول الأقصى.
ومع بدايات الاحتلال حاولت شرطة إسرائيل ضمان هيمنتها على المسجد الأقصى بشكل تدريجي، بدءا من السيطرة على مبنى المدرسة التنكزية عند باب السلسلة الملاصق للجدار الغربي للمسجد الأقصى، وتحويله إلى مقر للشرطة وقوات حرس الحدود، وهو الإجراء الذي تكرر لاحقا؛ وصولا إلى تمكين جنود الاحتلال من اقتحام الأقصى بشكل دائم، بل والاستقرار داخله، واعتقال المصلين أو الاعتداء عليهم.
وفي الثمانينيات أيضا بدأت الاعتداءات الصهيونية المسلحة على المسجد الأقصى بالتصاعد، ففي عام 1982 حدث ما عرف بـ”مجزرة الأحد”، حيث أطلق الإسرائيليون النار على المسلمين في المسجد الأقصى ما أدى إلى استشهاد فلسطينيين اثنين وإصابة 60 آخرين، وفي عام 1983 حاولت مجموعة إسرائيلية متطرفة تدمير المسجد الأقصى من خلال إدخال كميات كبيرة من المتفجرات إليه، وكادت تحدث كارثة كبيرة لولا اكتشافها، وفي عام 1988 أطلق الإسرائيليون النار في باحات الأقصى؛ ما أدى إلى إصابة ومقتل 100 فلسطيني، وفي عام 1990 حدثت مجزرة الأقصى التي استُشهد فيها 22 وأصيب 200.
وخلال هذه الفترة تصاعدت الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، والتي كانت أول محاولاتها العلنية عام 1970 حينما اقتحمت مجموعة من أمناء الهيكل المسجد، وقد أتبعت ما تسمى بمحكمة العدل الإسرائيلية ذلك الفعل بقرار يسمح لليهود بالصلاة في باحات الأقصى، حيث بدأت سياسة الاقتحام تتصاعد.
وكان للحكومة الصهيونية بقيادة إيهود باراك في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 مطالبات تتعلق بحرية السماح باقتحام الإسرائيليين للمسجد الأقصى، وعندما انتهت تلك المفاوضات بالفشل أقدم أرييل شارون على اقتحام المسجد الأقصى، مشعلا الانتفاضة الثانية، وفاتحا في الوقت ذاته أبواب الاقتحام العلني الفج للمسجد الأقصى أمام جموع المستوطنين، وفي عام 2001 قررت محكمة الاحتلال فتح أبواب المسجد الأقصى أمام اقتحامه من جميع اليهود.
وقد تصاعدت أعداد المقتحمين الإسرائيليين من بضع عشرات قبل عقود، إلى 93 ألفا في عام 2024، ومن حوادث متباعدة إلى سلوك شبه يومي، وقد استغلت إسرائيل الصمت الدولي والدعم الأمريكي لتمرير سياساتها في المسجد الأقصى المبارك والعمل على أداء الصلوات التلمودية وإدخال القرابين إلى المسجد، فضلا عن طقوس الزواج والخطوبة، وغيرها من الانتهاكات اليومية.
- التحولات الخطيرة في مدينة القدس المحتلة:
تلا حريق المسجد الأقصى سلسلة من الأحداث والممارسات التي كشفت عن استراتيجية ممنهجة لتهويد مدينة القدس وتغيير معالمها، كان أبرزها:
- الاستيلاء على العقارات وتغيير ديمغرافية القدس: قامت سلطات الاحتلال بالاستيلاء على المنازل والممتلكات الفلسطينية في محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة، وهدم أحياء كاملة مثل حي المغاربة، بهدف إحلال المستوطنين اليهود محل السكان الفلسطينيين.
- الحفريات أسفل وفي محيط المسجد الأقصى: حيث استمرت سلطات الاحتلال في أعمال الحفر تحت المسجد الأقصى والبلدة القديمة، بذريعة البحث عن “الهيكل المزعوم”.
- “مسيرة الأعلام”: أصبحت هذه المسيرة السنوية، التي يشارك فيها آلاف المستوطنين، رمزا للاستفزاز والاعتداء، حيث يتم خلالها رفع الأعلام الإسرائيلية وترديد شعارات عنصرية في البلدة القديمة.
- إجراءات قانونية وسياسية: أصدرت سلطات الاحتلال قوانين وقرارات هدفها عزل القدس عن محيطها الفلسطيني، وتضييق الخناق على السكان المقدسيين، مثل سحب بطاقات الهوية وفرض ضرائب باهظة.
- الاستيطان: حيث فرضت سلطات الاحتلال عشرات المخططات الاستيطانية في محاولة لتنفيذ مخطط “القدس الكبرى” الاستيطاني.
- الهدم والتجريف: فقد شهدت القدس تصعيدا ممنهجا في عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية، بحجة عدم الترخيص، وذلك بهدف تهجير السكان الفلسطينيين قسريا وتغيير المشهد العمراني للمدينة لصالح المستوطنين.
- السيطرة على التعليم: محاولة فرض المناهج الإسرائيلية على المدارس الفلسطينية في القدس، وسحب التراخيص من بعض المدارس.
- تصعيد الاعتقالات في القدس: وهي جزءا لا يتجزأ من استراتيجية شاملة تهدف إلى تعميق السيطرة الإسرائيلية على المدينة وتهويدها، وضرب الوجود الفلسطيني فيها.
ثالثا: ربط الحاضر بالماضي.. ماذا يحدث في القدس والأقصى اليوم؟
شهدت مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك خلال الأعوام الثلاثة الماضية (2023-2024-2025)، تحولات خطيرة ومتسارعة، سببها تصاعد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي ومحاولاته المستميتة لتهويد المدينة وإثبات سيادته المزعومة عليها.
وعمد الاحتلال خلال هذه الأعوام إلى تصعيد سياسات كانت قائمة من قبل، ولكن بوتيرة أسرع وأكثر عنفا وصرامة، مستغلا الظروف الإقليمية والدولية الحالية، والدعم الأمريكي غير المسبوق.
وهذه أبزر التحولات التي شهدتها المدينة المقدسة منذ عام 2023:
- الشهداء والجرحى
تُظهر الأرقام كيف يتوسّع الإجرام الصهيوني في القدس بشكل ممنهج ومتدرّج.
ففي عام 2023 سُجّل ارتقاء 45 شهيدًا مقدسيًا وإصابة 727، ليمثّل ذلك عامًا دامياً في المدينة.
لكن عام 2024 حمل تصعيدًا جديدًا مع 28 شهيدًا وأكثر من 321 إصابة، وهو مؤشر على استمرار سياسة الاستهداف المباشر للفلسطينيين.
وحتى نهاية يوليو 2025، ورغم الفترة القصيرة، ارتقى 11 مقدسيًا وأُصيب 233، ما يعكس وتيرة عنف متصاعدة لم تتوقف، بل تتكيف مع كل مرحلة.
هذه الأرقام لا تُمثّل مجرد إحصاءات؛ بل ترصد مسارًا واضحًا لتصعيد الاحتلال جرائمه ضد القدس وأهلها، في محاولة ممنهجة لتركيع المدينة وكسر صمودها، لكن الدم المقدسي ما زال شاهدًا على ثبات الإرادة والمقاومة.
- المسجد الأقصى:
شهدت الأعوام الثلاثة الأخيرة (2023-2024-2025) تحولات خطيرة في واقع المسجد الأقصى، حيث استغلت إسرائيل حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة لفرض سياسات وإجراءات مشددة تهدف إلى إحكام السيطرة على المسجد بشكل خاص، وتغيير “الوضع القائم” في المسجد، والذي ينص على أن المسجد هو مكان عبادة خالص للمسلمين تحت إدارة الأوقاف الإسلامية، إذ تحاول إسرائيل فرض التقسيم المكاني بعد زيادة وتيرة تثبيت التقسيم الزماني.
وبرز هذا الأمر جليا في تصاعد انتهاكات قوات الاحتلال والمستوطنين بحق المسجد، ففي عام 2023 اقتحم المسجد الأقصى المبارك أكثر من 55 ألف مستوطن في حين تضاعف العدد في عام 2024 ووصل إلى أكثر من 93 ألف مستوطن، وفي النصف الأول من عام 2025 بلغ عدد المستوطنين المقتحمين للمسجد أكثر من 39 ألف مستوطن.
ويمكن تلخيص التحولات في واقع المسجد الأقصى خلال أعوام 2023 و2024 و2025 في محاورين رئيسيين:
تصاعد انتهاكات شرطة الاحتلال بحق المسجد:
فرضت السلطات الإسرائيلية منذ بداية الحرب على غزة قيودا صارمة في المسجد الأقصى، ومنعت الفلسطينيين في كثير من الأحيان من الوصول إليه، بحجة دواعٍ أمنية.
ويمكن إجمال أبرز انتهاكات قوات الاحتلال بحق المسجد:
- عزل الأقصى بزيادة عدد الحواجز في محيطه
- ملاحقة المرابطين والمرابطات ومنعهم من دخول المسجد
- السماح للمستوطنين برفع أعلام الاحتلال مقابل قبة الصخرة.
- الاعتداء على المصلين ومحاصرتهم وإطلاق الرصاص المطاطي وقنابل الغاز تجاههم، واعتقالهم.
- اقتحام ضباط مخابرات الاحتلال لمصليات المسجد الأقصى، لاسيما اثناء صلاة الجمعة.
- مواصلة الحفريات أسفل المسجد الأقصى، ومنع أعمال الترميم، وقطع المياه عن مصلياته.محاولة طمس مظاهر الاحتفال بشهر رمضان.
- منع الصلاة في عدة مناسبات، وخاصة خلال شهر رمضان، منعت قوات الاحتلال آلاف المصلين من دخول المسجد لأداء الصلاة، مما أدى إلى تراجع أعداد المصلين بشكل كبير.
- استهداف حراس المسجد: حيث تم استهداف حراس المسجد الأقصى بالاعتقال والإبعاد، في محاولة لإضعاف الدور المناط بهم في حماية المسجد.
- تعزيز السيطرة الأمنية والمراقبة من خلال نصب أبراج وكاميرات مراقبة في محيط المسجد الأقصى وفوق أسواره، خاصة عند بواباته الرئيسية. هذه الإجراءات تهدف إلى إحكام الرقابة الأمنية على المصلين ومراقبة أي نشاط فلسطيني.
تصاعد اقتحامات وانتهاكات المستوطنين:
شهد المسجد الأقصى زيادة ملحوظة في أعداد اقتحامات المستوطنين المتطرفين، والتي تتم بحماية مشددة من قوات الاحتلال. وتستغل هذه الاقتحامات في أداء طقوس استفزازية وتلمودية في باحات المسجد، في محاولة لفرض “التقسيم الزماني والمكاني” للمسجد.
ومن أبرز انتهاكات المستوطنين بحق المسجد:
- اقتحام الأقصى في لباس “الكهنوت”، ونفخ البوق في باحاته.
- أداء ما يسمى بـ “السجود الملحمي” في المسجد الأقصى وعند أبوابه.
- إدخال قرابين نباتية، والرقص وترديد الأغاني ورفع علم الاحتلال.
- إتمام مراسم الخطوبة وارتداء ملابس فاضحة في ساحات المسجد.
- تنظيم مسيرة الأعلام.
- محاولة جماعات الهيكل إدخال حجر الأساس للهيكل المزعوم للمسجد.
- محاولة ذبح القرابين داخل المسجد الأقصى
- ارتفاع وتيرة أعداد المستوطنين الذين يقتحمون المسجد الأقصى ويدنسون باحاته
- اقتحام المسجد من قبل وزراء وأعضاء كنيست إسرائيليين.
- الاستيطان
شهدت مدينة القدس المحتلة في الأعوام الثلاثة الأخيرة (2023-2024-2025) توسعا غير مسبوق في بناء المستوطنات، سواء من خلال بناء وحدات استيطانية جديدة أو من خلال السيطرة على أراضي الفلسطينيين وضمها إلى المستوطنات القائمة، بما يمهد لتنفيذ مشروع فصل الضفة إلى قسمين واستكمال فصل القدس عن الضفة نهائيا بما يسمى “E1”. الذي يعتبر أكبر مخطط استيطاني لتحقيق مشروع “القدس الكبرى” الاستيطاني، ويهدد بإزالة بلدات مقدسية كاملة، وبالتالي تغيير الديمغرافيا في القدس لصالح المستوطنين.
وبرز هذا الأمر بشكل كبير في تصاعد المشاريع الاستيطانية في مدينة القدس، ففي عام 2023 نفذ الاحتلال وأذرعه الاستيطانية 58 مشروعا استيطانيا برقم متقارب مع عام 2024 حيث وصل إلى 56 مشروعا استيطانيا، وفي النصف الأول من عام 2025 كان هناك زيادة خطيرة في المشاريع الاستيطانية التي وصلت حتى الآن إلى 41 مشروعا استيطانيا.
وتشمل الإجراءات الإسرائيلية خلال الأعوام الثلاثة الماضية لتنفيذ مخططاتها الاستيطانية في القدس بالتالي:
- الاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي المقدسيين.
- التهجير القسري للتجمعات البدوية في السفوح الشرقية ومنطقة الخان الأحمر، وسكان تجمع الحثرورة البدوي شرق القدس.
- منع أصحاب الأراضي الواقعة في نطاق مخطط E1 من الوصول إليها وزراعتها.
- تصعيد البناء الاستيطاني في المدينة.
- بناء وحدات استيطانية جديدة، بالإضافة إلى الفنادق والأبراج والمنتزهات والحدائق التوراتية، والقبور الوهمية، والشوارع التي تخدم المستوطنين.
- جلب المزيد من المستوطنين للمدينة.
- الهدم
ازدادت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة وتيرة عمليات هدم منازل الفلسطينيين في مدينة القدس بحجة البناء بدون ترخيص، الأمر الذي يُعد سياسة ممنهجة لتهجير الفلسطينيين من المدينة وتغيير تركيبتها الديمغرافية.
وركزت إسرائيل عمليات الهدم في المناطق المحيطة بالمسجد الأقصى المبارك، لا سيما بلدة سلوان التي تعد الحامية لجنوبية للمسجد الأقصى المبارك، إذ تشهد أحياء البلدة عمليات هدم غير مسبوقة، وتركز سلطات الاحتلال على الهدم الذاتي الذي يعد أقسى أنواع القهر الذي يطال المقدسيين لما يتركه من آثار سلبية عليهم، وانعكاساته السيئة على صاحب المنزل المهدم وعائلته.
ويمكن ملاحظة التحولات الخطيرة في سياسة الهدم من خلال الأرقام التالية، ففي عام 2023 هدمت سلطات الاحتلال 234 منزلا، وفي العام التالي هدمت 336، وفي عام 2025 هدم الاحتلال 181 منزلا حتى نهاية يوليو/ تموز.
- التعليم
واصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأعوام الثلاثة الماضية، سياساتها التهويدية التي تستهدف العملية التعليمية بمدينة القدس المحتلة، إذ عملت كل ما في وسعها لفرض المنهاج الإسرائيلي، وما يحتويه من تزييف وتحريف للرواية التاريخية.
ومن أبرز ما شهدته القدس كانت أزمة مدرسة اليتيم العربي التي شهدت مؤامرة إسرائيلية لتهويدها من خلال طرد معلميها وإغلاق معظم التخصصات.
كما ضيقت سلطات الاحتلال بشكل غير مسبوق، على مدرسة ورياض الأقصى الإسلامية داخل المسجد الأقصى.
كما شهدت القدس محاولات إسرائيلية لاستقطاب طلبة مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في القدس إلى مدارسها، التي تُدرس المنهاج الإسرائيلي.
واتخذت الحرب الإسرائيلي ضد التعليم في مدينة القدس منذ عام 2023 تصعيدا في سياسات قائمة اتخذت أشكالاً متعددة، أبرزها:
- فرض المناهج الإسرائيلية وتحريف المنهاج الفلسطيني: حيث تعتبر هذه السياسة من أبرز أدوات التهويد، حيث يهدف الاحتلال من وراء ذلك إلى حذف أي محتوى يُشير إلى الهوية الوطنية الفلسطينية، أو النضال ضد الاحتلال، واستبداله برواية صهيونية.
- التهديد بسحب التراخيص من المدارس التي لا توافق على تدريس المناهج الإسرائيلية، وتُجبر المدارس على الحصول على تراخيص مشروطة لمدة عام واحد، مع إمكانية إلغائها إذا ثبت أنها تدرّس المنهاج الفلسطيني.
- شن الاحتلال حملات تفتيش على المدارس، ومصادرة الكتب المدرسية الفلسطينية.
- الضغط على المدارس الفلسطينية وتوظيف التمويل: حيث زادت قوات الاحتلال من ضغوطها على المدارس الخاصة التابعة للأوقاف الإسلامية والمدارس الوطنية لإجبارها على الانصياع لسياساتها.
- منع المدارس من افتتاح أي فصول دراسية جديدة ما لم توافق على تدريس المنهج الإسرائيلي، في ظل نقص حاد في الغرف الصفية بالقدس.
- استغلال الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المقدسيون لإجبارهم على إلحاق أبنائهم بالمدارس التي تتبع بلدية الاحتلال ووزارة المعارف الإسرائيلية، وذلك بسبب قلة المقاعد الدراسية في المدارس الوطنية وارتفاع تكاليفها.
- وضع سياسات تُعرقل العملية التعليمية الفلسطينية بشكل عام، مثل اعتقال الطلاب والموظفين الأكاديميين، واقتحام المؤسسات التعليمية، وتخريب محتوياتها.
وتندرج هذه السياسات في إطار خطة إسرائيلية أوسع لتعزيز سيادتها على المدينة، ومحاولة طمس الهوية الفلسطينية لدى الأجيال الجديدة، فضلا عن خلق وعي مشوه لدى الطلبة الفلسطينيين، بعيدا عن هويتهم الوطنية وتاريخهم، مما يشكل تحديا كبيرا أمام الأهل والمؤسسات الفلسطينية. ولوحظ أن معظم هذه الانتهاكات ازدادت وتيرتها مذن عام 2023، حيث استغلت إسرائيل انشغال العالم بالأوضاع في غزة لتسريع تنفيذ مخططاتها في القدس.
في المقابل، قاوم أهالي المدينة هذه المساعي الهادفة لغزو وعي أبنائهم، فمنذ بداية عام 2023، شهدت مدينة القدس العديد من الإضرابات الشاملة، رفضا لمحاولات حكومة الاحتلال فرض المنهاج الإسرائيلي.
- الاعتقالات
شهدت مدينة القدس خلال السنوات الثلاثة الماضية، تصعيدا لافتا في سياسة الاعتقالات التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي، حيث يستخدم هذه السياسة ضمن نهج أوسع يهدف إلى تضييق الخناق على الفلسطينيين في المدينة ومحاولة تغيير واقعها الديموغرافي.
وفي قراءة سريعة شهد العام 2023 ارتفاعا خطيرة في أعداد المعتقلين وهو ما تزامن مع بدء معركة طوفان الأقصى حيث سجل خلال هذا العام 2837 معتقلا فيما اعتقل خلال عام 2024 1091 مقدسيا وحتى نهاية يوليو 2025 سجل اعتقال 479 مواطنا في القدس.
ويمكن إجمال التحولات في سياسة الاعتقال في مدينة القدس خلال السنوات الثلاثة الماضية في التالي:
- ارتفاع أعداد المعتقلين: شهدت مدينة القدس، ارتفاعا غير مسبوق في أعداد الاعتقالات. ويمكن ملاحظة ذلك في الجدول المرفق.
- الاعتقال الإداري: تصاعد استخدام الاعتقال الإداري، وهو اعتقال بدون تهمة أو محاكمة.
- استهداف فئات محددة: لم تقتصر الاعتقالات على الشباب والنشطاء، بل طالت فئات واسعة من المجتمع المقدسي، بما في ذلك: النساء والأطفال والصحفيون ونشطاء التواصل.
- وشهدت هذه الاعتقالات انتهاكات خطيرة مثل:
- عمليات التنكيل والاعتداء بالضرب المبرح أثناء الاعتقال.
- اقتحام المنازل وتخريب ممتلكاتها.
- إبعاد المقدسيين عن منازلهم ومناطق سكنهم.
- منع السفر وإصدار قرارات إبعاد عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة.
ويمكن القول، إن سياسة الاعتقالات في القدس تمثل جزءا لا يتجزأ من استراتيجية شاملة بهدف تعميق السيطرة الإسرائيلية على المدينة وتهويدها، وضرب الوجود الفلسطيني فيها.
- الإبعاد
كثفت إسرائيل سياسة الإبعاد في مدينة القدس ففي عام 2023، وكجزء من إجراءات أوسع تستهدف الفلسطينيين نفذت سلطات الاحتلال 806 أمر اعتقال في القدس تلاه 106 خلال عام 2024 وارتفع بشكل جنوني حتى شهر يوليو 2025 ليصل إلى 284 أمر إبعاد بحق أهالي القدس.
وهذه السياسة ليست جديدة، ولكن وتيرتها تصاعدت بشكل ملحوظ بعد عام 2023، حيث أصبحت جزءاً من استراتيجية إسرائيلية أوسع لتغيير التركيبة السكانية للمدينة.
ويمكن إجمال أبرز جوانب سياسة الإبعاد في:
- الإبعاد عن القدس والأقصى ومنع السفر
- إبعاد عائلات منفذي العمليات الفدائية.
- الإبعاد عن البلدة القديمة.
خاتمة
إن ما يحدث اليوم في القدس والأقصى هو استمرار طبيعي لمخططات إسرائيلية بدأت جريمة حريق المسجد عام 1969، لكنها أصبحت أكثر جرأة ووضوحا. فالحرائق لم تعد تقتصر على النيران المادية، بل أصبحت حرائق صامتة، بين مشروع الاحتلال الذي يسعى إلى محو الهوية، وبين صمود الشعب الفلسطيني الذي يتمسك بأرضه ومقدساته.
المرفقات (1)
جدول يوضح انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس المحتلة منذ الأول من يناير/ كانون الثاني 2023 حتى نهاية يوليو/تموز 2025
العام | الشهداء | المصابون | مشاريع الاستيطان | عدد المقتحمين للأقصى | عمليات الهدم | قرارات الإبعاد | المعتقلون |
| يناير 2023 | 5 | 92 | 4 | 4408 | 42 | 30 | 280 |
| فبراير 2023 | 1 | 111 | 8 | 3583 | 36 | 20 | 164 |
| مارس2023 | 0 | 18 | 7 | 3502 | 8 | 43 | 182 |
| أبريل2023 | 1 | 208 | 6 | 5054 | – | 517 | 700 |
| مايو2023 | 0 | 151 | 8 | 5943 | 22 | 51 | 140 |
| يونيو2023 | 1 | 15 | 7 | 3787 | 20 | 21 | 129 |
| يوليو2023 | 0 | 16 | 5 | 6542 | 23 | 23 | 142 |
| أغسطس2023 | 4 | 14 | 4 | 3891 | 12 | 19 | 135 |
| سبتمبر2023 | 0 | 12 | 4 | 4453 | 18 | 48 | 162 |
| أكتوبر2023 | 14 | 14 | – | 8006 | 19 | 29 | 405 |
| نوفمبر2023 | 15 | 18 | – | 2811 | 17 | – | 271 |
| ديسمبر2023 | 4 | 58 | – | 3164 | 17 | 5 | 127 |
| يناير2024 | 5 | 19 | 5 | 1205 | 22 | 9 | 88 |
| فبراير2024 | 7 | 18 | 7 | 5824 | 17 | 8 | 102 |
| مارس2024 | 6 | 2 | 2 | 1695 | 7 | 20 | 134 |
| ابريل2024 | 1 | 24 | 1 | 7312 | 10 | 5 | 108 |
| مايو2024 | 1 | 17 | 2 | 10198 | 31 | 7 | 63 |
| يونيو2024 | 1 | 40 | 4 | 10075 | 20 | 6 | 68 |
| يوليو2024 | 2 | 38 | 5 | 7676 | 52 | 5 | 69 |
| أغسطس2024 | 2 | 24 | 4 | 10751 | 41 | 21 | 77 |
| سبتمبر2024 | 3 | 20 | 10 | 8215 | 37 | 8 | 100 |
| أكتوبر2024 | 2 | 36 | 6 | 13647 | 71 | 6 | 159 |
| نوفمبر2024 | 1 | 34 | 5 | 7443 | 38 | 4 | 62 |
| ديسمبر2024 | 2 | 49 | 5 | 9652 | 44 | 7 | 61 |
| يناير2025 | 1 | 20 | 8 | 5759 | 32 | 7 | 74 |
| فبراير2025 | – | 24 | 5 | 5132 | 33 | 92 | 59 |
| مارس2025 | 2 | 35 | 3 | 2619 | 20 | 36 | 85 |
| ابريل2025 | – | 76 | 5 | 10111 | 29 | 9 | 59 |
| مايو2025 | 2 | 55 | 8 | 6767 | 38 | 8 | 37 |
| يونيو2025 | 2 | 49 | 4 | 3194 | 13 | 6 | 91 |
| يوليو2025 | 4 | 30 | 8 | 5587 | 68 | 9 | 74 |
المرفقات (2)
جدول يوضح انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس المحتلة خلال الأعوام 2023 و2024 وحتى نهاية يوليو/تموز 2025
| الانتهاكات | عام 2023 | عام 2024 | عام 2025 حتى نهاية يوليو/ تموز |
| اقتحام الأقصى | 55144 | 93693 | 39169 |
| الشهداء | 45 | 28 | 11 |
| المصابون | 727 | 321 | 233 |
| هدم البيوت | 234 | 336 | 181 |
| الاعتقالات | 2837 | 1091 | 479 |
| الإبعاد | 806 | 106 | 284 |
| مشاريع الاستيطان | 58 | 56 | 41 |

