معراج – القدس
مع اقتراب عيد الأضحى، تستقبل القدس المحتلة موسماً جديداً من القهر والتهويد، في وقتٍ تنشغل فيه مدن العالم بفرحة العيد وشعائره، بينما تعيش المدينة المقدسة تحت حصارٍ متواصل يطحن الإنسان والحجر والهوية.
فالقدس اليوم لا تُدار بالحياة، بل بسياسات الهدم والاقتلاع والتجفيف الاقتصادي، إلى جانب هجمة شرسة تستهدف المسجد الأقصى المبارك وتُضيّق على أهله ومرابطيه.
مدينة تُدار بالهدم والاقتلاع
تواصل سلطات الاحتلال فرض واقع تهويدي متسارع على القدس، عبر مشاريع استيطانية وإجراءات ميدانية تخنق الوجود الفلسطيني داخل المدينة. ولم يعد مشهد الركام في الأحياء المقدسية استثناءً، بل تحوّل إلى جزءٍ يومي من حياة السكان، مع تصاعد عمليات الهدم والإخلاء القسري بحق العائلات المقدسية.
وتلاحق أوامر الإخلاء البيوت الفلسطينية بشكلٍ متواصل، ضمن سياسة تهدف إلى تفريغ المدينة من أهلها الأصليين، بينما يتمدد الاستيطان كسرطان يلتهم ما تبقى من الأرض والهوية. وفي المقابل، تُمرَّر مخططات التهويد بغطاءٍ رسمي ودعمٍ حكومي واضح، في محاولة لفرض واقع جديد على المدينة المقدسة.
ومن أبرز هذه المشاريع التهويدية:
- مخطط E1 الهادف إلى تكريس مشروع “القدس الكبرى” وعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني.
- مشروع “حديقة الملك داوود” في حي البستان ببلدة سلوان.
- مخطط إخلاء الخان الأحمر وتهجير سكانه.
- الاستيلاء على عقارات فلسطينية في حي باب السلسلة بالبلدة القديمة.
- إقامة متحف عسكري ومقار أمنية على أراضي الشيخ جراح.
- إنشاء مدرسة دينية للمستوطنين في الشيخ جراح ضمن سياسة إحكام السيطرة على الحي.
تجفيف الأسواق وسحق الاقتصاد المقدسي
بالتوازي مع التهويد الميداني، تتعرض القدس لحرب اقتصادية ممنهجة تستهدف الأسواق والتجار والمقدسيين في لقمة عيشهم، خصوصاً مع اقتراب موسم العيد الذي اعتادت فيه المدينة على الحركة التجارية النشطة.
وتبدو أسواق القدس اليوم شبه خالية بفعل القيود والحواجز الإسرائيلية التي تعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني، ما أدى إلى تراجع الحركة الشرائية بشكلٍ حاد. كما دفع الإغلاق القهري وقلة الزبائن العديد من المحال التجارية إلى الإغلاق، فيما تواجه أخرى خطر الهدم أو الإزالة بأوامر الاحتلال.
وفي ظل هذا الواقع، تتفاقم نسب البطالة والفقر بين المقدسيين، بينما تواصل البسطات الصغيرة معركتها اليومية للبقاء تحت سيف الملاحقة والمصادرة. كذلك تتعرض المنتجات الوطنية الفلسطينية لضربٍ ممنهج لصالح دعم أسواق المستوطنات، في وقت يواصل فيه عزل الضفة الغربية خنق القدس اقتصادياً وشلّ أسواقها التاريخية.
الأقصى يصرخ… ولا صدى
أما المسجد الأقصى المبارك، فيدخل عيداً جديداً تحت وطأة الاقتحامات والتضييق والاستهداف المباشر، بعدما حُرم من عيد الفطر الماضي بفعل الإغلاق القسري الذي فرضه الاحتلال على المسجد ومحيطه.
ويخشى المقدسيون أن يتحول عيد الأضحى إلى موسمٍ جديد من القيود الأمنية وتشديد الحصار على الوافدين إلى الأقصى، في وقتٍ تتصاعد فيه اقتحامات المستوطنين واستفزازاتهم داخل باحات المسجد المبارك.
وباتت انتهاكات المستوطنين تطال كل زاوية في الأقصى، وسط محاولات متكررة لفرض طقوس تلمودية وخلق واقع تهويدي داخل المسجد، بينما يُحرم آلاف الفلسطينيين من الوصول الحر إليه، وكأن الأقصى لم يعد حقاً لأهله وأبناء شعبه.
وفي المقابل، يخيّم صمت عربي وإسلامي ثقيل على ما يتعرض له مسرى النبي ﷺ، بينما تتواصل في الخفاء مخططات تستهدف المسجد وهويته الإسلامية، بالتزامن مع تصاعد دعوات جماعات “الهيكل” المتطرفة التي لا تتوقف عن الترويج لأوهام الهدم والسيطرة الكاملة على الأقصى.
وهكذا تستقبل القدس عيد الأضحى هذا العام مثقلةً بالجراح، بين هدمٍ يطارد البيوت، واستيطانٍ يبتلع الأرض، واقتصادٍ ينهار تحت الحصار، وأقصى يواجه أخطر مراحل الاستهداف، فيما يواصل المقدسيون الصمود في وجه مدينةٍ يُراد لها أن تُفرغ من أهلها وذاكرتها وهويتها.




