معراج – القدس
تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسريع مشاريعها التهويدية في مدينة القدس المحتلة، وهذه المرة عبر مخطط يحمل طابعًا أمنيًا وعسكريًا يستهدف مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في حي الشيخ جراح، أحد أكثر الأحياء الفلسطينية استهدافًا بالمشاريع الاستيطانية والتهجيرية.
المشروع الجديد لا يقتصر على تغيير معالم المكان أو إعادة استخدامه إداريًا، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة فرض رواية إسرائيلية أمنية وعسكرية فوق موقع يرتبط مباشرة بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة، ما يجعله جزءًا من معركة الوعي والذاكرة والسيادة في القدس.
أي زيف يبتلع الشيخ جراح؟
بحسب المخطط الذي تدفع به حكومة الاحتلال، سيتم تحويل موقع مقر “الأونروا” إلى مجمع يتبع لوزارة أمن الاحتلال، يضم:
- متحفًا لما يسمى “تراث الجيش الإسرائيلي”.
- مكتب تجنيد تابع لجيش الاحتلال.
- مقار ومرافق أمنية وإدارية مرتبطة بوزارة الأمن الإسرائيلية.
ويأتي المشروع في قلب حي الشيخ جراح، الحي الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى رمز عالمي للصراع على القدس، بعد حملات التهجير القسري والاستيلاء على منازل الفلسطينيين لصالح الجمعيات الاستيطانية.
اختيار مقر “الأونروا” تحديدًا يحمل دلالات سياسية عميقة، إذ تمثل الوكالة شاهدًا دوليًا على قضية اللاجئين الفلسطينيين، بينما يسعى الاحتلال منذ سنوات إلى إنهاء دورها وشطب رمزيتها السياسية والإنسانية.
سرقة بغطاء رسمي
المخطط الذي صاغه وزير أمن الاحتلال يسرائيل كاتس يقوم على الاستيلاء على مساحة تُقدّر بنحو 36 دونمًا لصالح وزارة الأمن الإسرائيلية، دون المرور بإجراءات عطاءات أو منافسات قانونية اعتيادية، في خطوة تكشف طبيعة التوظيف الحكومي المباشر للمشاريع التهويدية.
ويهدف المشروع إلى تثبيت حضور المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، ليس فقط أمنيًا، بل ثقافيًا ورمزيًا أيضًا، عبر إنشاء متحف يقدم الرواية العسكرية الإسرائيلية بوصفها “تاريخًا شرعيًا” للمكان.
ويرى مراقبون أن المشروع يمثل انتقالًا من مجرد السيطرة الميدانية على القدس إلى إعادة تشكيل وعي المدينة بصريًا وسياسيًا، عبر تحويل مواقع فلسطينية ذات رمزية تاريخية وإنسانية إلى منصات تخدم الرواية الإسرائيلية.
استهداف مباشر لحق العودة
إقامة مشروع عسكري إسرائيلي فوق مقر “الأونروا” لا يُقرأ باعتباره مشروعًا عقاريًا أو إداريًا عابرًا، بل باعتباره جزءًا من مسار أوسع يستهدف قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة.
فالوكالة الأممية ارتبط وجودها منذ تأسيسها بالنكبة الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم عام 1948، بينما تسعى إسرائيل منذ سنوات إلى تقويض دورها سياسيًا وماليًا وميدانيًا.
ومن خلال إحلال مؤسسة أمنية إسرائيلية مكانها، يحاول الاحتلال تكريس رسالة سياسية مفادها أن الرواية الإسرائيلية العسكرية ستحل محل الرواية الفلسطينية المرتبطة بالنكبة واللجوء والاقتلاع.
الغاية الأعمق للمشروع
لا تتوقف أهداف المشروع عند حدود إنشاء مرافق جديدة، بل تمتد إلى عدة مستويات استراتيجية، أبرزها:
- تعميق الرواية الإسرائيلية داخل القدس المحتلة.
- إعادة صياغة الذاكرة الفلسطينية ضمن سردية عسكرية إسرائيلية.
- فرض وقائع استيطانية طويلة الأمد في الشيخ جراح.
- تعزيز السيطرة الأمنية والسيادية الإسرائيلية على محيط البلدة القديمة.
- تحويل الفضاء الفلسطيني إلى مساحة تخدم رموز الاحتلال ومؤسساته.
ما يجري في الشيخ جراح اليوم ليس مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل محاولة منظمة لإعادة تعريف هوية المدينة ومحو أي رمزية فلسطينية أو دولية ترتبط بحقوق الفلسطينيين التاريخية.




