معراج – القدس
في مشهد جديد من مشاهد استهداف الذاكرة الفلسطينية، تمضي سلطات الاحتلال في تنفيذ مشروع تهويدي جديد يطال مقبرة مأمن الله، إحدى أعرق المقابر الإسلامية في القدس المحتلة، تحت غطاء يحمل عنوانًا مضللًا: “التطوير”.
المشروع، الذي رُصدت له ميزانية تُقدّر بنحو 80 مليون شيكل، لا يقتصر على أعمال ترميم شكلية أو خدمات عامة كما يُروّج له، بل يتضمن تغييرات بنيوية عميقة داخل المقبرة، تشمل إنشاء ممرات حديثة، وتمديدات إنارة، ومناطق خضراء، وتجهيزات تحتية تُقام فوق أرضٍ تحتضن رفات قرونٍ من التاريخ الإسلامي الفلسطيني.
الخطوة تُقرأ فلسطينيًا باعتبارها حلقة جديدة في مسلسل طويل من طمس الهوية الإسلامية للقدس، وتحويل المقبرة تدريجيًا من معلم ديني وتاريخي إلى مساحة مشوهة المعالم، منزوعة الذاكرة.
مقبرة مأمن الله.. ذاكرة القدس المدفونة
تُعد مقبرة مأمن الله واحدة من أقدم وأبرز المقابر الإسلامية في فلسطين التاريخية، وتمتد غرب البلدة القديمة للقدس على مساحة تُقدّر بنحو 200 دونم.
وعلى امتداد مئات السنين، شكّلت المقبرة موضع دفن لعدد من الصحابة والتابعين والعلماء والمجاهدين والشهداء الذين مرّوا بتاريخ القدس وفلسطين، ما جعلها شاهدًا حيًا على العمق الإسلامي والعربي للمدينة المحتلة.
لكن هذه المساحة التاريخية تعرضت، منذ عقود، لعمليات اقتطاع وتجريف متواصلة، أدت إلى تقلصها بصورة كبيرة، حتى لم يبقَ منها سوى أجزاء محدودة تقاوم محاولات المحو.
عمر كامل من التهويد والتجريف
الاعتداء على المقبرة لم يبدأ اليوم، بل يمتد لعقود طويلة من السياسات الإسرائيلية التي استهدفت المكان بشكل ممنهج:
- عام 1967 حُوّل جزء من المقبرة إلى ما يسمى “حديقة الاستقلال”.
- عام 1985 أُقيمت مواقف سيارات فوق مساحات واسعة من أراضيها.
- عام 1987 شهدت المقبرة أعمال حفر وتمديد شبكات صرف صحي داخلها.
- عام 2002 طُرحت مخططات لبناء مجمع قضائي على أجزاء من أرضها.
- عام 2004 أُقيم مشروع “متحف التسامح” فوق مساحات من المقبرة، رغم وجود القبور والرفات الإسلامية فيها.
ويرى مقدسيون ومؤسسات حقوقية أن ما يحدث ليس مجرد مشاريع عمرانية متفرقة، بل سياسة متراكمة تهدف إلى تفريغ المكان من معناه الديني والتاريخي، وإعادة تشكيل المشهد الجغرافي للقدس بما يخدم الرواية الإسرائيلية.
تاريخ يُمحى تحت عنوان “التطوير”
المشروع الجديد يُثير مخاوف واسعة من أن يكون مقدمة لاجتثاث ما تبقى من المقبرة، خصوصًا في ظل التقديرات التي تشير إلى أن نحو 5% فقط من مساحة المقبرة الأصلية ما تزال قائمة حتى اليوم.
ويؤكد مختصون أن عمليات الإنشاء والتأهيل داخل المقبرة تعني فعليًا العبث بالقبور والرفات، وتحويل الموقع من معلم إسلامي تاريخي إلى فضاء سياحي وحدائقي منزوع الهوية.
وبينما تُقدَّم الخطة رسميًا باعتبارها “تطويرًا حضريًا”، يراها الفلسطينيون ممحاة إسرائيلية جديدة تستهدف اقتلاع الوجود الإسلامي من القدس، ليس فوق الأرض فقط، بل حتى من ذاكرة الموتى المدفونين تحتها.





