معراج – القدس
على امتداد جدار الفصل العنصري، تتكرر كل صباح مشاهد الخطر والموت، حين يحاول عشرات الفلسطينيين من الضفة الغربية اجتياز الجدار باتجاه مدينة القدس المحتلة، بحثاً عن فرصة عمل، فبين جدارٍ يفصلهم عن قوت يومهم، وبطالةٍ تخنق حياتهم في المدن والمخيمات، لا يجد هؤلاء سوى المغامرة بأرواحهم طريقاً للبقاء.
في ساعات الفجر الأولى، يتسلل العمال عبر الفتحات الضيقة في الجدار أو المناطق الوعرة المحيطة به أو عبر التسلق، أملاً في الوصول إلى أماكن عملهم قبل أن ترصدهم دوريات الاحتلال، لكن ما إن تلمحهم أبراج المراقبة حتى يتحول الطريق إلى كمينٍ دموي، إذ يفتح الجنود نيرانهم بلا تردد على الأجساد المرهقة، فيسقط شهداء وجرحى كل يوم عند تلك الحواجز الإسمنتية التي باتت رمزاً للقهر والعقاب الجماعي.
الجدار الذي شُيّد للعزل والفصل، تحوّل في الواقع إلى ساحة إعدامات يومية، يواجه فيها الفلسطيني رصاص الاحتلال لمجرد بحثه عن لقمة عيشٍ تسد رمق أطفاله.
كثيرون ارتقوا برصاص القناصة على مقربة من الفتحات، وآخرون أصيبوا بجروحٍ بليغة، فيما تُرك بعضهم ينزف حتى الموت دون أن يُسمح لسيارات الإسعاف بالوصول إليهم.
ومنذ بداية شهر أكتوبر الجاري، سجّلت إصابة 17 فلسطينياً على الأقل بالرصاص خلال محاولتهم عبور الجدار نحو القدس، بعضهم أصيب بجروحٍ خطيرة، في استمرارٍ لسياسة إطلاق النار المباشر التي يعتمدها جنود الاحتلال ضد كل من يقترب من الجدار، حتى لو كان أعزل لا يحمل سوى حقيبته وأدوات عمله.
تلك المآسي ليست حوادث معزولة، بل جزء من سياسة ممنهجة لتجويع الفلسطينيين وخنق اقتصاده، فالحواجز العسكرية المنتشرة، وإغلاق الطرق بين المدن، ومنع حرية التنقل، كلها عوامل دفعت بآلاف الشباب نحو البطالة.
الاحتلال لم يكتفِ بعزل الأرض خلف الجدار، بل عزل الإنسان الفلسطيني داخل دائرة ضيقٍ اقتصادي وحياتي، جعل من لقمة العيش حلماً محفوفاً بالموت، ومع كل طلقةٍ جديدة عند الجدار، تتسع الفجوة بين الفقر والأمل، وتُكتب فصول مأساةٍ متكررة على التراب الفلسطيني، حيث يتحول الطريق إلى القدس من ممر عملٍ إلى حدٍّ فاصل بين الحياة والموت.
ورغم كل ذلك، لا يتوقف الفلسطينيون عن المحاولة، فكل صباح جديد، يعود العمال من جديد إلى الجدار نفسه، يحملون معهم أدواتهم البسيطة وقلوبهم المثقلة، مدفوعين بإصرارٍ لا يُكسر، وإيمانٍ بأن الكرامة والعيش الكريم لا يُمنحان بل يُنتزعان، مهما ارتفع الجدار أو اشتد الرصاص.

