معراج – القدس
تُعد مقبرة مأمن الله واحدة من أعرق وأكبر المقابر الإسلامية في مدينة القدس، حيث تبلغ مساحتها نحو 200 دونم، وتضم رفات عدد من الأعلام والصحابة والشهداء والتابعين.
ويشير باحثون إلى أن اسم المقبرة يعود إلى وجود بركة مياه كبيرة في المنطقة، كان يطلق عليها “ماء من الله”، قبل أن تتحول التسمية عبر الزمن إلى “مأمن الله” أو “ماملا”.
على مدار العقود الماضية، عمل الاحتلال “الإسرائيلي” على طمس معالم المقبرة وإقامة مشاريع استيطانية فوقها، إذ حوّل جزءًا واسعًا منها إلى حديقة عامة، وشق طرقًا وأقام ما يسمى “متحف التسامح”، إلى جانب هدم عشرات القبور.
ففي عام 1947 استولى الجيش البريطاني على المقبرة وهدم أجزاء من سورها، ثم في عام 1948 احتلت إسرائيل الجزء الغربي من القدس، بما فيه مقابر من ضمنها مقبرة مأمن الله.
وأقرت إسرائيل قانونا يعتبر جميع الأراضي الوقفية الإسلامية وما فيها من مقابر وأضرحة ومقامات ومساجد وأراض تدخل ضمن ما سماه الاحتلال “أملاك الغائبين“، وأجاز مصادرتها “لصالح الدولة”.
وفي عام 1967 حول الاحتلال جزءا كبيرا من المقبرة إلى حديقة عامة سميت “حديقة الاستقلال”، بعد أن جرف القبور ونبش العظام وزرع فيها الأشجار والعشب، وشق طرقات في بعض أقسامها، وفي أواخر 1985م أنشأت وزارة المواصلات موقفا للسيارات على قسم كبير منها.
بين عامي 1985 و1987 نفذت إسرائيل عمليات حفر جديدة لتمديد شبكات مجار، وتوسيع موقف السيارات، فدمرت عشرات القبور وبعثرت عظام الموتى في مقبرة مأمن الله.
وفي عام 2002 أعلن الاحتلال نيته إقامة مبنى للمحاكم الإسرائيلية في منطقة المقبرة، وفي عام 2004 أعلنت الصحف الإسرائيلية نية الحكومة افتتاح مقر ما يسمى “مركز الكرامة الإنساني” وكذا “متحف التسامح” في مدينة القدس، الذي أصدرته المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2008 قرارا يسمح ببنائه على ما تبقى من مقبرة مأمن الله.
وقد واصلت إسرائيل تغيير معالم المقبرة وطمس كل أثر فيها، وإلى حدود عام 2025 لم يتبق سوى أقل من 5% من قبورها، وقدرت المساحة المتبقية منها بنحو 19 دونما، أي نحو ثمن مساحتها الأصلية.
ومن بين أبرز الشخصيات التي دُفنت في مقبرة مأمن الله:
– الأمير المملوكي علاء آيدغدي بن عبد الله الكبكي.
– النحوي شهاب الدين بن جبارة المقدسي.
– المستشار الفقيه ضياء الدين أبو عيسى الهكاري مستشار صلاح الدين.
– قاضي القضاة برهان الدين الشافعي.
وبذلك تبقى مقبرة مأمن الله شاهدًا حيًّا على التاريخ الإسلامي العريق في القدس، ورمزًا للصمود في وجه محاولات الطمس والتهويد، بما تحمله من ذاكرة وهوية لا يمكن للاحتلال محوها مهما امتدت يد العبث والتزوير.

