معراج – القدس
في القدس يخوض المسيحيون العرب معركة صامتة من أجل البقاء، وهي ليست معركة وجود جسدي فحسب، بل معركة هوية وتراث وعادات عربية تتعرض يوميا -كما كل شيء في المدينة- لمحاولات الطمس والتهويد.
بين كنائس عتيقة وبيوت ضاربة في التاريخ، يتمسك المسيحيون في القدس بلغتهم وطقوسهم الاجتماعية وأعيادهم الدينية، باعتبارها جزءا أصيلا من الذاكرة العربية للمدينة.
وتتفق شخصيات مسيحية تحدثت -للجزيرة نت- على أن أي خسارة للمسيحيين في المدينة المحتلة، تعد خسارة لفلسطين، لكونهم جزءا أصيلا من تراثها وهويتها.
وتحتفل الطوائف المسيحية التي تعتمد التقويم الشرقي بأعياد الميلاد في 7 يناير/كانون الثاني، في حين بلغت احتفالات الطوائف المسيحية التي تعتمد التقويم الغربي، ذروتها بقداس منتصف ليل 25/24 ديسمبر/كانون الأول في كنيسة المهد.
ملاحقة واستهداف
عبّرت الباحثة في الإرث الثقافي الشامي غدير النجار بالعبارة التي عرّف بها المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد نفسه عندما قال إنه مسيحي يتشرب الثقافة الإسلامية وعربي لكنه ليس مسلما، في إشارة للتأكيد على الهوية العربية بمعزل عن الانتماء الديني.
وأوضحت هذه الشابة المسيحية أن العرب مسلمين ومسيحيين في القدس لديهم ثقافة واحدة، وتجمعهم عادات وتقاليد متشابهة، مضيفة أن “المسيحيين كما غيرهم يحرمون من ممارسة عاداتهم وطقوسهم وخاصة تلك المتعلقة بـ “سبت النور” في عيد الفصح، وهو الحدث السنوي الذي لا يمر دون اعتداءات إسرائيلية”.
وأشارت غدير إلى أن عائلات مسيحية بأكملها انقرض وجودها في القدس، بسبب الأوضاع الاقتصادية الناجمة عن تضييقات الاحتلال على القطاع السياحي الذي يعمل معظم المسيحيين فيه.
وحول أهمية الحديث عن الإرث العربي والتمسك به داخل القدس، أشارت الشابة التي تعمل في هذا المجال منذ سنوات، إلى أن المؤسسات والأفراد الذين يسعون للحديث عن هذا الموضوع من خلال أبحاث أو مشاريع لا يجدون تمويلا لها، ويصبحون عرضة للملاحقة، “لأن الإرث الفلسطيني يؤثر على الاحتلال ويزعجه”.
وأعربت هذه الشابة عن حزنها بسبب اندثار بعض العادات المسيحية المرتبطة بالأعياد والزواج في القدس، وذلك لأن الكثير من العائلات تنقسم بين الضفة الغربية والقدس، ومع تعذر الوصول إلى المدينة المقدسة بسبب عدم إصدار الاحتلال تصاريح دخول لهم، يضطر مسيحيو القدس للاحتفال بمعظم أعيادهم ومناسباتهم في محافظات الضفة.
ومع حرصها على هويها، تفكر غدير -وتتكون أسرتها من 4 أفراد- بالهجرة من البلاد دائما بعد فقدانها لوظيفتها مع وصول جائحة كورونا عام 2020، وازدياد الأوضاع الاقتصادية صعوبة مع اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، مؤكدة أن استمرار هجرة المسيحيين من القدس يؤثر على استمرارية الحفاظ على تراثهم وعاداتهم العربية في القدس.
تقليص بفعل الاحتلال
أما مؤسس ورئيس جامعة دار الكلمة القس متري الراهب فاستهل حديثه للجزيرة نت بالقول إن السياسات الإسرائيلية الممنهجة منذ عام 1967 أدت إلى تقليص أعداد المسيحيين بشكل ملحوظ، مؤكدا أن “وجودهم في القدس أصبح مهددا بشكل لم يسبق له مثيل”.
وأكد أن مصادرة أراضي الأوقاف المسيحية بدءا من دير مار يوحنا وانتهاء بالحي الأرمني، تهدد الوجود الكنسي والمستقبل المسيحي في القدس، ودفع ذلك البعض للهجرة بالفعل بعد خسارة حق الإقامة في مدينة آبائه وأجداده، ودفعت بالبعض الآخر إلى الكفاح من أجل لقمة العيش بعيدا عن الانخراط في السياسة، بينما زادت البعض الآخر تمسكا بالهوية العربية إذ أصبح الصمود جزءا من مسيرة الكفاح والمقاومة.
ورغم كل هذه السياسات فإن 100 مؤسسة مسيحية ما زالت تعمل في القدس في كل من مجال التربية والتعليم والصحة -وفقا للراهب- وتشكل المستشفيات المسيحية ما نسبته 75% من إجمالي مستشفيات القدس الشرقية، كما يلعب المسيحيون دورا مهما في مجال سياحة الحج سواء من خلال الفنادق أو شركات السياحة، وهي جميعها مهددة اليوم بالخطر والانكماش.
وفي حديثه عن أبرز العادات التي يحرص مسيحيو القدس على التمسك بها، تطرق القس متري الراهب إلى طقوس “سبت النور” حيث يجتمع الشيب والشباب المسيحي في كنيسة القيامة بانتظار انبلاج النور، دلالة على أن النور يبقى أقوى من الظلمة كما قال الشاعر أحمد شوقي “وأن للحق لا للقوة الغلبا”.
ووصف الراهب تراجع الوجود المسيحي العربي في القدس بالكارثة، لأن “المسيحية خرجت من فلسطين لا من روما أو أثينا أو برلين أو واشنطن، وبهذا ينقرض ألفا عام من الوجود المسيحي غير المنقطع عن المدينة والذي شكل جغرافيتها وتراثها وهويتها كمدينة مقدسة”.
وأكد أن الخسارة هي ليست للمسيحيين فحسب بل لفلسطين عامة، فبفقدان المسيحيين تفقد فلسطين تعدديتها التي اشتهرت بها وفسيفساءها التي عرفت بها، وجزءا أصيلا من تراثها وهويتها.
13 كنيسة
بدوره أكد مدير مركز السبيل للاهوت التحريري المسكوني في فلسطين عمر حرامي أن الهوية العربية الفلسطينية كانت دائما عرضة للاعتداء، وأن هذا الاعتداء يدفع مسيحيي ومسلمي المدينة للحفاظ أكثر على إرثهم وتراثهم وهويتهم الدينية رغم كل التحولات السياسية والديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية.
ورغم هذا الحرص لم يغفل عمر حرامي التطرق إلى تعدد المرجعيات المسيحية الدينية إذ يتبع المسيحيون 13 كنيسة رسمية في القدس، وتختلف الكنائس فيما بينها كثيرا، إلا أنها اتحدت وقرعت أجراسها بشكل متزامن على قضايا تتعلق بالهوية العربية والفلسطينية.
ففي التاريخ الحديث قُرعت أجراس الكنائس بشكل موحد -وفقا لحرامي- ثلاث مرات كانت الأولى عند وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970، والثانية عند وفاة القائد المقدسي فيصل الحسيني عام 2001، والثالثة عند استشهاد مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة عام 2022.
وتطرق مدير مركز السبيل إلى أبرز العادات التاريخية التي يحرص المسيحيون على الحفاظ عليها، وهي الطقوس المتعلقة بـ”سبت النور” و”أحد الشعانين”، ويرفض هؤلاء التخلي عنها رغم استهداف الاحتلال الإسرائيلي السنوي لها.
و “سبت النور” إحياء لذكرى ظهور النور المقدس من قبر عيسى -عليه السلام- في كنيسة القيامة، بينما “أحد الشعانين” مسيرة لإحياء ذكرى دخوله عيسى إلى القدس واستقباله بسعف النخيل وفق المعتقد المسيحي.

